السيد علي عاشور
170
موسوعة أهل البيت ( ع )
وفيه عنه صلى اللّه عليه واله وسلّم : المهدي من ولدي ، وجهه كالقمر الدريّ ، اللون لون عربي ، والجسم جسم إسرائيلي ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجو ، يملك عشرين سنة . وفيه عنه صلى اللّه عليه واله وسلّم : يصيب هذه الامّة بلاء حتّى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم ، فيبعث إليها رجلا من عترتي فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، يرضى عنه ساكن السماوات والأرض ، لا تدع السماء من قطرها شيئا إلّا صبّته مدرارا ولا تدع الأرض من نباتها شيئا إلّا أخرجته حتّى يتمنّى الأحياء الأموات ، تعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين « 1 » . وفيه عن الصحاح من قول النبي صلى اللّه عليه واله وسلّم : كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها « 2 » . ولا يتوهّم أن عيسى يبقى بعد المهدي ، وذلك لا يجوز ؛ لأنّ المهدي إذا كان إمام آخر الزمان ومات فلا إمام بعده . مذكور في رواية أحد من الأئمّة ، فقد بقيت الامّة بغير إمام ، وهذا ما لا يمكن أنّ الخلق تبقى بغير إمام ، فإن قيل : إنّ عيسى عليه السّلام يبقى بعده وتقتدي الامّة به ، فغير ممكن أيضا لأنّ عيسى لا يجوز أن يكون إماما لامّة محمّد صلى اللّه عليه واله وسلّم ، ولو كان ذلك جائزا لانتقلت الملة المحمّدية إلى ملّة عيسى ، فلا يمكن أن يكون ذلك . وذلك لا يقوله عاقل ولا محصل ، بل للخبر معنى صحيح يحمل عليه وهو أنه قد تقدّم معنا من الأخبار في هذا الباب أنّ عيسى ينزل وقد صلّى الإمام - وهو المهدي - بالناس العصر وقيل : الصبح ، فيتأخّر فيقدّمه عيسى ويصلّي خلفه . وما نزل عيسى على مقتضى هذه الأخبار إلّا بعد نفوذ دعوة الإمام واجتماع الناس عليه ، فيكون مصدّقا لدعوة الإمام دعواه ، وقوّة له وعونا إلّا أنّه لا يغيّر شيئا ممّا جاء به النبي صلى اللّه عليه واله وسلّم ، فيكون فائدة الخبر أنّ النبي أولها لأنّه هو الداعي إلى الإسلام ، والمهدي أوسطها وإن كان آخر الأئمّة فجعله وسطا إذ ظهوره قبل نزول عيسى فيكون في نزوله آخر المصدّقين بهذه الملّة ، والمهدي عليه السّلام قبله صدّق بهذه الملّة قبل نزوله ، والنبي فهو صاحب الملة لا بدّ أن يكون أولا ، فعلى هذا يكون آخر المصدّقين والمعتنين لأنّه آخر الامّة . يشهد بصحّة هذا التأويل لفظ الخبر لأنّه قال : كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها ، والمسيح ليس من أمّتنا هذه وإنّما نبيّها منها بلا خلاف لأنّه إمام آخر الزمان ، ومن ولد رسول اللّه ، ومن ولد علي وفاطمة ، والمسيح ليس من النبي صلى اللّه عليه واله وسلّم ولا من علي وفاطمة ، ولا من أمّة محمّد صلى اللّه عليه واله وسلّم ، بل هو آخر من ينزل لنصرة ملّة محمّد وآخر من يدعو إليها ، لأنّ المهدي يكون قبل نزوله وقد تبعته الامّة وقد دخلت تحت أمره ونهيه ، بدليل ما ورد في هذه الأخبار الصحاح أن المسيح يصلّي خلفه ، إمّا صلاة الصبح أو صلاة العصر كما تقدّمت الرواية ، فصار آخر هذه الامّة
--> ( 1 ) مصنف عبد الرزاق : 11 / 372 ح 20770 . ( 2 ) العمدة : 223 ، ومسند أبي يعلى : 1 / 165 ، وصحيح ابن حبان : 9 / 176 ح 7182 .