السيد علي عاشور

9

موسوعة أهل البيت ( ع )

والخطر وكذلك القوّاد والوزراء وعامّة الناس ، فإنّي كنت يوما قائما على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجّابه فقالوا : أبو محمّد بن الرّضا بالباب . فقال بصوت عال : إئذنوا له ، فتعجّبت ممّا سمعت منهم أنّهم جسروا يكنّون رجلا على أبي بحضرته ولم يكنّ عنده إلّا خليفة أو وليّ عهد أو من أمر السلطان أن يكنّى ، فدخل رجل أسمر ، حسن القامة ، جميل الوجه ، جيّد البدن ، حدث السنّ ، له جلالة وهيبة ، فلمّا نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقوّاد فلمّا دنا منه عانقه وقبّل وجهه وصدره وأخذ بيده وأجلسه على مصلّاه الّذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه وجعل يكلّمه ويفديه بنفسه ، وأنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل عليه الحاجب فقال : الموفّق « 1 » وقد جاء - وكان الموفّق إذا دخل على أبي تقدّم حجّابه وخاصة قوّاده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدّار سماطين إلى أن يدخل ويخرج - فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمّد يحدّثه حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ إذا شئت جعلني اللّه فداك . ثمّ قال لحجّابه : خذوا به خلف السماطين حتّى لا يراه هذا - يعني الموفّق - ، فقام وقام أبي وعانقه ومضى . فقلت لحجّاب أبي وغلمانه : ويلكم من هذا الذي كنّيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل . فقالوا : هذا علويّ يقال له الحسن بن عليّ يعرف بابن الرّضا فازددت تعجّبا ولم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه حتّى كان اللّيل وكانت عادته أن يصلّى العتمة ثمّ يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان ، فلمّا صلّى وجلس ، جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي : يا أحمد لك حاجة ؟ قلت : نعم يا أبه فإن أذنت لي سألتك عنها ؟ فقال : قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت . قلت : يا أبه من الرّجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال : يا بنيّ ذاك إمام الرّافضة ، ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا ، فسكت ساعة ، ثمّ قال : يا بنيّ لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا وإنّ هذا

--> ( 1 ) هو موفق بن المتوكل أخو المعتمد بن المتوكل وكان أمير عساكره ، بل كان الأمر بيده ولم يكن للمعتمد أخيه وهو الخليفة الآمر أصلا وكان المعتمد مشغولا باللهو واللذات وقيل : احتاج يوما إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها لتضييق الموفق عليه ومات للإفراط في الشرب . ( ش ) . وانتقلت الخلافة بعد المعتمد إلى ابن الموفق أحمد الملقب بالمعتضد .