السيد علي عاشور
74
موسوعة أهل البيت ( ع )
مرقاة ، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض ، وتقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار ، وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه ، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم . فقال كبيرهم لجدي : أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني ، فتطير جدّي من ذلك تطيرا شديدا ، وقال : للأساقفة : أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان واحضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده ، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول ، وتفرق الناس وقام جدي قيصر مغتما ، فدخل قصره وأرخيت الستور ، فأريت في تلك الليلة كأن المسيح وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه ، فدخل عليهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع فتية وعدة من بنيه ، فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول ( له ) : يا روح اللّه إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا ، وأومى بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب ، فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قال : قد فعلت . فصعد ذلك المنبر وخطب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وزوجني ( من ابنه ) وشهد المسيح عليه السّلام وشهد بنو محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والحواريون ، فلما استيقظت من نومى أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل ، فكنت أسرها في نفسي ولا أبديها لهم ، وضرب بصدري بمحبة أبي محمد عليه السّلام حتى امتنعت من الطعام والشراب ، وضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضا شديدا ، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي . فلما برح به اليأس قال : يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا ؟ فقلت : يا جدي أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة ، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنيتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء ، فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيرا من الطعام ، فسر بذلك جدي وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم ، فأريت أيضا بعد أربع ليال كأنّ سيدة النساء قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف وصيفة من وصائف الجنان ، فتقول لي مريم : هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد عليه السّلام ، فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي . فقالت لي سيدة النساء عليها السلام : ( إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة باللّه جل ذكره وعلى مذهب النصارى ، وهذه أختي مريم تبرأ إلى اللّه عزّ وجلّ من دينك ، فإن ملت إلى رضا اللّه عزّ