السيد علي عاشور

63

موسوعة أهل البيت ( ع )

قال : فقال لي : واللّه ما أفهم ما تقول ولا أعرفه في شيء من الطبّ ولا قرأته في كتاب ولا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانيّة من فلان الفارسي فأخرج إليه . قال : فاكتريت زورقا إلى البصرة وأتيت الأهواز ثمّ صرت إلى فارس إلى صاحبي فأخبرته الخبر . قال : وقال لي : أنظرني أيّاما فأنظرته ثمّ أتيته متقاضيا قال : فقال لي : إنّ هذا الذي تحكيه عن هذا الرّجل فعله المسيح في دهره مرّة « 1 » . قال في هامش شرح الكافي : قوله « أمر قهرمانه » وروى القصة في الخرائج بوجه أبسط ولعل غرض الإمام عليه السّلام من فعله ذلك أن الطب والعلوم الطبيعية كانت رائجة في ذلك العصر وأكثر الناس مقبلون عليها وهي للعوام مزلة فإنهم يجعلون القوى الطبيعية مضادة للتأثيرات الروحانية وربما يتوهمون الاستغناء عن التوسل والدعاء بالأسباب المادية كما نرى في عصرنا من كثير . فأراد عليه السّلام خرق العادة بخلع الأسباب عن التأثير وتوجيه النفوس إلى اللّه تعالى ومبدأ للأمور غير الطبايع وهذا معلوم في الجملة للفلاسفة . والشيخ أبو علي بن سينا أورد في الإشارات ثلاثة أدلة لإثبات أن النفس ليست هي المزاج أو تابعا للمزاج بل هي تعارض مزاج البدن وتنافيه . الدليل الأول الحركة الإرادية إلى جهات مختلفة فإنها ليست للطبايع فإن الطبيعة تقتضي شيئا واحدا غير مختلف فالحركة إلى فوق والطبيعة تميل إلى السفل تدل على أن النفس ليست من الطبيعة . الثاني الحسن والإدراك فإنهما ليسا للطبيعة والمزاج وهو واضح . الثالث أن الطبايع المختلفة في المزاج تقتضي الإنفاك في أسرع ما يكون من الزمان ولذا يتلاشى البدن بعد الموت بلا مهلة وأن النفس تقهر المزاج على الثبات والبقاء وجمع الأضداد مدة طويلة ، فليست النفس مزاجا أو متفرعة على المزاج بل لها مبدأ آخر ولذلك تقدر على قهر المزاج على خلاف مقتضى طبعه ، وهذه أمور يغفل عنها الطبيعيون والأطباء إذ فنهم حفظ المزاج فتبين بعمل الإمام عليه السّلام وفصده أن النفس القوية قادرة على قهر الطبيعة على خلاف مقتضاها كما أن نفوسنا أيضا تقدر على ذلك والاختلاف بين النفوس بالشدة والضعف إلّا أن قهر نفوسنا لأبداننا معتاد معهود يغفل عنه وقهر نفس الإمام عليه السّلام لمقتضى طبيعته كان خرقا للعادة موجبا للإعجاب وسببا لالتفات الناس إلى مبدأ آخر في العالم قاهر للطبائع . وروى في المناقب عن الإمام عليه السّلام كلاما يحل العقدة عن عويصة أخرى نظير ذلك وهو أن

--> ( 1 ) الكافي : 1 / 512 ح 24 وعنه الوسائل : 12 / 74 ح 1 وحلية الأبرار : 2 / 496 - 497 ( ط ق ) والبحار : 62 / 131 ح 101 .