السيد علي عاشور

56

موسوعة أهل البيت ( ع )

وعن الكرماني قال : قلت للجواد : جعلت فداك ما تقول في المسك ؟ قال : إنّ أبي أمر أن يعمل له مسك في قارورة فكتب إليه الفضل يخبره أنّ الناس يعيبون ذلك عليه فكتب عليه السّلام : يا فضل ! ما علمت أنّ يوسف الصديق عليه السّلام كان يلبس الديباج مزررا بالذهب والجوهر ، ويجلس على كراسي الذهب واللجين ، فلم يضرّه ذلك ، ولا نقص من نبوته شيئا . وأنّ سليمان بن داود عليه السّلام وضع له كرسي من الفضة والذهب مرصع بالجوهر ، وعليه علم ، وله درج من ذهب إذا صعد على الدرج اندرج فترا ، فإذا نزل انتثرت بين يديه ، والغمام يظلله ، والأنس والجن تخدمه ، وتقف الرياح لأمره ، وتنسم وتجري كما يأمرها ، والسباع والوحوش والطير عاكفة من حوله ، والملائكة تختلف إليه ، فما يضره ذلك ، ولا نقص من نبوته شيئا ، ولا من منزلته عند الله . وقد قال الله عزّ وجلّ : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ « 1 » . ثم أمر أن يتخذ له غالية « 2 » فاتخذت بأربعة آلاف دينار وعرضت عليه ، فنظر إليها وإلى سدوها وحبها وطيبها ، وأمر أن يكتب لها رقعة من العين . فقلت : جعلت فداك ! فما لمواليكم في موالاتكم ؟ فقال : إنّ جدي جعفر الصادق عليه السّلام كان له غلام يمسك عليه بغلته إذا دخل المسجد ، فبينما هو في بعض الأيام جالس في المسجد إذ أقبلت من خراسان قافلة ، فأقبل رجل منهم إلى الغلام وفي يده البغلة ، فقال له : من داخل المسجد ؟ فقال : مولاي جعفر الصادق ابن رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلّم . فقال له الرجل : هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك ، وأكون له مملوكا ، وأجعل لك مالي كله ، فإني كثير الخير والضياع ، أشهد لك بجميعه ، وأكتب لك ، وتمضي إلى خراسان فتقبضه ، وأنا موضعك أقيم . فقال له الغلام : أسأل مولاي ذلك ، فلما خرج قدّم بغلته ، فركب وتبعه كما كان يفعل ، فلما نزل في داره استأذن الغلام ، ودخل عليه فقال له : مولاي يعرف خدمتي وطول صحبتي . فإن ساق الله لنا خيرا تمنعني منه . فقال له جدّي : أعطيك من عندي وأمنعك من غيري ، حاشى لله ، فحكى له حديث الخراساني .

--> ( 1 ) الأعراف : 7 / 32 . ( 2 ) غالية : هو نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن ، وهي معروفة ، لسان العرب : 15 / 134 ، ( غلى ) .