السيد علي عاشور
34
موسوعة أهل البيت ( ع )
ورأيت على شفتي الرّضا عليه السّلام زبدا أشدّ بياضا من الثّلج ، ورأيت أبا جعفر عليه السّلام يلحسه بلسانه ، ثم أدخل يده بين ثوبه وصدره ، فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور ، فابتلعه أبو جعفر عليه السّلام ومضى الرضا عليه السّلام . فقال أبو جعفر عليه السّلام : قم يا أبا الصلت ! آتني بالمغتسل والماء من الخزانة . فقلت : ما في الخزانة مغتسل ولا ماء ، وقال لي : إنته إلي ما آمرك به ، فدخلت الخزانة ، فإذا فيها مغتسل وماء فأخرجته ، وشمّرت ثيابي لأغسّله . فقال لي : تنح يا أبا الصلت ! فإنّ لي من يعينني غيرك ، فغسّله . ثم قال لي : أدخل الخزانة ، فأخرج إلي السفط « 1 » الذي فيه كفنه وحنوطه ، فدخلت ، فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط ، فحملته إليه ، فكفّنه وصلّى عليه . ثم قال لي : إئتني بالتابوت . فقلت : أمضي إلى النجار حتى يصلح التابوت ؟ قال : قم ! فإنّ في الخزانة تابوتا . فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط ، فأتيته به ، فأخذ الرضا عليه السّلام بعد ما صلّى عليه ، فوضعه في التابوت ، وصفّ قدميه ، وصلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتى علا التابوت وانشق السقف ، فخرج منه التابوت ومضى . فقلت : يا ابن رسول الله ! الساعة يجيئنا المأمون ويطالبنا بالرضا عليه السّلام ، فما نصنع ؟ فقال لي : أسكت ! فإنه سيعود يا أبا الصلت ! ما من نبي يموت بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب إلا جمع الله بين أرواحهما وأجسادهما ، وما أتمّ الحديث حتى انشق السقف ونزل التابوت . فقام عليه السّلام ، فاستخرج الرضا عليه السّلام من التابوت ، ووضعه على فراشه كأنه لم يغسّل ولم يكفّن . ثم قال لي : يا أبا الصلت ! قم فافتح الباب ، للمأمون . ففتحت الباب ، فإذا المأمون والغلمان بالباب ، فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه ، ولطم رأسه ، وهو يقول : يا سيداه ! فجعت بك يا سيدي ! ثم دخل ، فجلس عند رأسه ، وقال : خذوا في تجهيزه ، فأمر بحفر القبر ، فحفرت الموضع ، فظهر كل شي على ما وصفه الرضا عليه السّلام . فقال له بعض جلسائه : ألست تزعم أنه إمام ؟ فقال : بلى ! لا يكون الإمام إلا مقدّم النّاس ، فأمر أن يحفر له في القبلة . فقلت له : أمرني أن يحفر له سبع مراقي ، وأن أشق له ضريحة . فقال : انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح ، ولكن يحفر له ويلحد . فلما رأى ما ظهر له من النداوة والحيتان وغير ذلك .
--> ( 1 ) السفط : الذي يعبى فيه الطيب . . . السفط كالجوالق ، لسان العرب : 7 / 315 ( سفط ) .