السيد علي عاشور

84

موسوعة أهل البيت ( ع )

وكان أهل تلك البلاد يمضون إلى بلاد الترك يشترون أولادهم ونساءهم وحدّثني رجل من أفاضل السادة وصلحائها في تلك البلدة أنّ امرأة كانت لها صبيّة أسرت في جملة الأسارى وبقيت تبكي عليها أيّاما وشهورا ثمّ قالت يوما : إنّ الرضا عليه السّلام ضمن الجنّة لمن زاره فأنا أمضي إلى زيارته وأدعو الله تحت قبّته أن يرد عليّ ابنتي . فقصدت المشهد الشريف وصارت تدعو الله سبحانه ، وأمّا ابنتها فإنّها لمّا أسرها الترك اشتراها تاجر من أهل بخارى فوقعت هناك ، وكان في بخارى رجل مؤمن من التجّار فرأى ليلة في المنام كأنّه وقع في لجّة بحر محيط وهو يسبح فبعد أن أعيا وقع إلى الجرف وما استطاع الخروج ، فرأى صبيّة واقفة على الجرف فمدّت يدها إليه وأخرجته من البحر فتأمّلها في المنام وعرف صورتها فانتبه مذعورا ، فلمّا صار الصباح غدا إلى الخان ليشتري متاعا فقال له رجل تاجر : إنّ عندي جارية أسيرة وأريد بيعها فمضى معه ينظر إليها ، فلمّا كشف عن وجهها تحقّق أنّها التي رآها في المنام وقد أخرجته من البحر فاشتراها وأتى بها منزله فرحا مسرورا فقال لها : من أيّ الأسارى أنت ؟ قالت : من أسارى استراباد فرقّ لها وبكى وقال لها عندي أولاد فمن أردتيه أزوّجك به وتكونين عندي بمنزلة البنت ، قالت : كلّ من يشرط لي أن يحملني إلى زيارة مشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام أرضين به ، فقبل ذلك الشرط واحد من أولاده وزوّجه بها ثمّ حملها معه إلى المشهد الرضوي فتمرّضت في الطريق ولمّا دخل البلد الشريف استأجر دارا وكان يمرّض الجارية وبقي على ذلك أيّاما حتّى أعياه ذلك الحال فدعى الله تعالى تحت القبّة أن يقع على امرأة تقوم بتمريضها وتحتاج إليه فلمّا خرج من القبّة المباركة رأى عجوزا تمشي في المشهد فأظهر لها الالتماس بأن تأتي معه إلى داره وتقوم على امرأته أيّام مرضها وأن يحسن إليها . فقالت له : أنا امرأة غريبة وأنت رجل غريب فأقوم بتمريض امرأتك لأجل هذا الإمام المفترض الطاعة ، فأخذها معه إلى منزله ، فلمّا دخلت العجوز عليها كشفت الثوب عن وجهها فلمّا نظرت إليها غشي عليها ، وأمّا الجارية فإنّها لمّا فتحت عينها نظرت إلى العجوز فعرفتها أنّها امّها فتعارفا وتباكيا فتحيّر الرجل ، فلمّا أفاقا أطلعها على حالهما ففرح الرجل وسرّ بذلك وبقيت المرأة مع ابنتها وزوجها ، وأمّا الملعون انوشا فإنّه لمّا فعل ذلك الفعل الشنيع سلّط الله عليه ولده ففقأ عينيه وأخرجه من الملك وتملّك ثمّ أغار الترك على الولد وقتلوه وملك بعده ولده الآخر فقتلوه أيضا وانتقل الملك إلى غيرهم وأحوجه الله سبحانه حتّى جاء إلى تبريز وكان بها يتجرّع غصّة الزمان إلى هذا الوقت وهو أوائل عام التاسع بعد المائة والألف ثمّ مضى إلى جوار الزبانية في أشدّ العذاب والحمد لله ربّ العالمين « 1 » .

--> ( 1 ) رياض الأبرار ، مخطوط .