السيد علي عاشور
116
موسوعة أهل البيت ( ع )
ثناؤه لا تدل عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لاسمائه وصفاته دون معناه ، فلو لا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله ، لأن صفاته وأسماءه غيره ، أفهمت ؟ قال : نعم يا سيدي زدني . قال الرضا عليه السّلام : إياك وقول الجهال أهل العمى والضلال الذين يزعمون أن الله جل وتقدس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب ، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ، ولو كان في الوجود لله عزّ وجلّ نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا ، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون ، وذلك قوله عزّ وجلّ : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 1 » يعني أعمى عن الحقائق الموجودة ، وقد علم ذو والألباب أن الإستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا ، من أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا ، لأن الله عزّ وجلّ جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون . قال عمران : يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق ؟ قال له الرضا عليه السّلام : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون ، وإنما صار خلقا لأنه شيء محدث ، والله الذي أحدثه فصار خلقا له وإنما هو الله عزّ وجلّ وخلقه لا ثالث بينهما ، ولا ثالث غيرهما ، فما خلق الله عزّ وجلّ لم يعد أن يكون خلقه ، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها ، وكل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزّ وجلّ ، واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس ، وكل حاسة تدل على ما جعل الله عزّ وجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله . واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين : التقدير والمقدر ، وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر ، وجعلهما مدركين بنفسهما ، ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده ، فالله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنه ، والخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته ، وانما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعدا ، ولو وصفوا الله عزّ وجلّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا ، فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
--> ( 1 ) سورة الإسراء : 72 .