السيد علي عاشور
114
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال عمران : يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق . قال الرضا عليه السّلام : أحلت يا عمران في قولك : إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره ، يا عمران هل تجد النار يتغيرها تغير نفسها ؟ أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها ؟ أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره ؟ قال عمران : لم أر هذا ، ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه ؟ قال الرضا عليه السّلام : جل يا عمران عن ذلك ، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه ، تعالى عن ذلك ، وسأعلمك ما تعرفه به ولا قوة إلا بالله ، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك ؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شيء استدللت بها على نفسك ؟ قال عمران بضوء بيني وبينها . قال الرضا عليه السّلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك ؟ قال : نعم . قال الرضا عليه السّلام فأرناه ، فلم يحر جوابا . قال عليه السّلام : فلا أرى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما ، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا ، ولله المثل الاعلى . ثم التفت إلى المأمون فقال : الصلاة قد حضرت ، فقال عمران : يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقدرق قلبي . قال الرضا عليه السّلام : نصلي ونعود ، فنهض ونهض المأمون فصلى الرضا عليه السّلام داخلا ، وصلّى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر ، ثم خرجا فعاد الرضا عليه السّلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال : سل يا عمران . قال : يا سيدي ألا تخبرني عن الله عزّ وجلّ هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف ؟ قال الرضا عليه السّلام : إن الله المبدئ الواحد الكائن الأول لم يزل واحدا لا شيء معه ، فردا لا ثاني معه ، لا معلوما ولا مجهولا ، ولا محكما ولا متشابها ، ولا مذكورا ولا منسيا ، ولا شيئا يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره ، ولا من وقت كان ، ولا إلى وقت يكون ، ولا بشيء قام ، ولا إلى شيء يقوم ، ولا إلى شيء استند ، ولا في شيء استكن ، وذلك كله قبل الخلق إذ لا شيء غيره ، وما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم ، واعلم أن الابداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة وكان أول إبداعه وإرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شيء ، ودليلا على كل مدرك ، وفاصلا لكل مشكل ، وبتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق وباطل ، أو فعل أو مفعول ، أو معنى أو غير معنى ، وعليها اجتمعت الأمور كلها ، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى ولا وجود لها لأنها مبدعة بالابداع ، والنور في هذا