السيد علي عاشور
34
موسوعة أهل البيت ( ع )
ومن هنا نفهم الآيات والروايات التي تحدّثنا أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يكن يعطي الجواب حتى ينزل الوحي ، فهو كان يعلم الجواب ، ولكن يريد أن يغرز في نفوسهم فكرة الوحي من السماء . قال تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ « 1 » . فالنبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم قبل أن ينقضي الوحي من السماء عليه ، كان مستعدا أن يقرأ على الناس القرآن ، بل تقدم علمه للقرآن منذ عالم الأنوار . ونسبة العجلة للنبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم لم يكن المراد بها حتى أن التوقيت غير مناسب ، بل لإبراز أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يعلم بالقرآن وآياته قبل أن ينزل عليه جبرائيل ، وبالتالي تكون الآية دليلا على ما نذكره وذكرناه سابقا أن جبرائيل كان يذكره بالقرآن تذكيرا لا يجتمع مع النسيان . ان قيل : يحتمل في الآية ان النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يستعجل بالقرآن فيتلو الآية الأولى أو مطلعها قبل أن يكملها جبرائيل أو قبل أن ينتهي من السورة . قلنا : فعل النبي الأعظم صلّى اللّه عليه واله وسلّم هذا إما مع التفاته إلى بقية الآيات التي يكملها جبرائيل ، وإما مع عدم التفاته لها . فعلى الأول لا معنى للنهي عن العجلة . وعلى الثاني يكون النبي مفوتا للوحي ومضيعا لبعض الآيات ، ولا قائل به إلّا من سفه قوله . قال الشيخ الطبرسي في الآية : لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كرّرها عليهم ليتقرر في قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلة ، ألهاهم حبّ العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه وتقرير « 2 » . وقال سيد المفسرين : ويؤول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد ، لأن عندك علما في الجملة ، لكن لا تكتف به واطلب من اللّه علما جديدا بالصبر واستماع بقية الوحي . وهذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم فلو لا ما علم منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى « 3 » . وقد أبطل السيد الطباطبائي نسبة عجلة النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم في القراءة قبل انتهاء جبرائيل « 4 » . * أقول : عندي أن معنى الآية : أنّ النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم كان يقرأ القرآن على الناس أو كان يبلغ بعض أحكامه ومعانيه للناس مرة واحدة ، وذلك قبل أن ينزل الوحي عليه به وقبل أن ينقضي إليه ، فجاء الخطاب الإلهي ليقول : لا تعجل في تبليغ القرآن ، وأبلغه للناس حتى قبل نزول جبرائيل به ، أبلغهم
--> ( 1 ) سورة طه ، الآية : 114 . ( 2 ) مجمع البيان : 10 / 603 مورد الآية - سورة القيامة : 16 . ( 3 ) تفسير الميزان : 14 / 215 مورد الآية - سورة طه : 114 . ( 4 ) تفسير الميزان : 20 / 110 مورد الآية - سورة القيامة : 16 .