السيد علي عاشور

95

موسوعة أهل البيت ( ع )

ترى الشمس منها تطلع ، وهي نور النهار ، وفيها قوام الدنيا ، ولو حبست حار من عليها وهلك ؟ والقمر منها يطلع ، وهو نور الليل ، وبه يعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام ، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير ؟ وفي السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، ومن السماء ينزل الغيث الذي فيه حياة كل شيء من الزرع والنبات والأنعام ، وكل الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا ، والريح لو حبست أياما لفسدت الأشياء جميعا وتغيرت ، ثم الغيم والرعد والبرق والصواعق كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شيء ومن عنده ينزل ، وقد كلم الله موسى عليه السّلام وناجاه ، ورفع الله عيسى بن مريم ، والملائكة تنزل من عنده غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك ، وفيما تراه بعينك كفاية أن تفهم وتعقل . قال : فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام لنسأله عمن مضى منا إلى ما صاروا وكيف حالهم وما ذا لقوا بعد الموت وأي شي صنع بهم ليعمل الناس على اليقين اضمحل الشك وذهب الغل عن القلوب قال : إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم ، ولم يصدق بما جاؤوا به من عند الله إذا أخبروا وقالوا : إن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان الأنبياء حال من مات منا ، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله ؟ وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير ، منهم أصحاب الكهف أماتهم الله ثلاث مائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع حجتهم وليريهم قدرته وليعلموا أنّ البعث حق ، وأمات الله ارميا « 1 » النبي الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها ، فأماته الله مائة عام ثم أحياه ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم وكيف تلبس اللحم وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل ، فلما استوى قاعدا قال : أعلم أن الله على كل شي قدير ، وأحيا الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون لا يحصى عددهم فأماتهم الله دهرا طويلا حتى بليت عظامهم وتقطعت أوصالهم وصاروا ترابا ، فبعث الله تعالى في وقت أحب أن يري خلقه قدرته نبيا يقال له حزقيل فدعاهم فاجتمعت أبدانهم ورجعت فيها أرواحهم ، وقاموا كهيئة يوم ماتوا لا يفتقدون من أعدادهم رجلا فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا ، وأن الله أمات قوما خرجوا مع موسى حين توجه إلى الله فقالوا : أرنا الله جهرة ، فأماتهم الله ثم أحياهم . قال : فأخبرني عمن قال بتناسخ الأرواح من أي شي قالوا ذلك ؟ وبأي حجة قاموا على مذاهبهم ؟ قال : إن أصحاب التناسخ قد خلفوا وراءهم منهاج الدين وزينوا لأنفسهم الضلالات ،

--> ( 1 ) قال الطبرسي قدس سره في البيان في تفسير قوله تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ) : وهو عزير ، عن قتادة وعكرمة والسدى وهو المروى عن أبي عبد الله عليه السلام ، وقيل : هو ارميا عن وهب ، وهو المروى عن أبي جعفر عليه السلام ، وقيل : هو الخضر ، عن ابن إسحاق .