السيد علي عاشور
93
موسوعة أهل البيت ( ع )
السياسة لبدنه وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل من النافع لم يمرض ، وتميل في قولك إلى من يزعم أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب ، قد مات أرسطاطاليس معلم الأطباء ، وأفلاطون رئيس الحكماء ، وجالينوس شاخ ودق بصره ، وما دفع الموت حين نزل بساحته ، ولم يألوا حفظ أنفسهم والنظر لما يوافقها ، كم من مريض قد زاده المعالج سقما ! وكم من طبيب عالم وبصير بالأدواء والأدوية ماهر مات ، وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا ! فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته وحضور أجله ، ولا هذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخّر الأجل . ثم قال عليه السّلام : إن أكثر الأطباء قالوا : إن علم الطب لم يعرفه الأنبياء ، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الأنبياء الذين كانوا حجج الله على خلقه ، وامناءه في أرضه ، وخزان علمه وورثة حكمته ، والأدلّاء عليه ، والدعاة إلى طاعته ؟ ثم إني وجدت أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الأنبياء ويكذب الكتب المنزلة عليهم من الله تبارك وتعالى ، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه . قال فكيف تزهد في قوم وأنت مؤد بهم وكبيرهم ؟ قال : إني لما رأيت الرجل منهم الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه ، وتأليف بدنه وتركيب أعضائه ، ومجرى الأغذية في جوارحه ومخرج نفسه ، وحركة لسانه ، ومستقر كلامه ، ونور بصره ، وانتشار ذكره ، واختلاف شهواته ، وانسكاب عبراته ، ومجمع سمعه ، وموضع عقله ، ومسكن روحه ، ومخرج عطسته ، وهيج غمومه ، وأسباب سروره ، وعلة ما حدث فيه من بكم وصمم وغير ذلك لم يكن عندهم في ذلك أكثر من أقاويل استحسنوها وعلل فيما بينهم جوزوها . قال : فأخبرني عن الله عز وجل أله شريك في ملكه ، أو مضاد له في تدبيره ؟ قال : لا ، قال : فما هذا الفساد الموجود في هذا العالم من سباع ضارية ، وهوام مخوفة ، وخلق كثير مشوهة ، ودود وبعوض وحيات وعقارب ، وزعمت أنه لا يخلق شيئا إلا لعلة لأنه لا يعبث ؟ قال : ألست تزعم أن العقارب تنفع من وجع المثانة والحصاة ، ولمن يبول في الفراش ، وأن أفضل الترياق ما عولج من لحوم الأفاعي ، وأن لحومها إذا أكلها المجذوم لشبت « 1 » نفعه ، وتزعم أن الدود الأحمر الذي يصاب تحت الأرض نافع للآكلة ؟ قال : نعم . قال عليه السّلام : فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعل أرزاق الطير ، وأهان بها جبارا تمرد على
--> ( 1 ) في هامش البحار ( 10 / 173 ) : في نسخة : بشبت ، والشبت : نبات كالتمرة يقال له ( رز الدجاج ) ، وفي نسخة : بسبب ينفعه ، وفي نسخة ثالثة : بشب والسب ، ملح معدني .