السيد علي عاشور

88

موسوعة أهل البيت ( ع )

مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد : من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته . ثم قال عليه السّلام بعد ذلك : نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة ، ولا تكون الحجة إلا من عقب الأنبياء ، ما بعث الله نبيا قط من غير نسل الأنبياء ، وذلك أن الله تعالى شرع لبني آدم طريقا منيرا ، وأخرج من آدم نسلا طاهرا طيبا ، أخرج منه الأنبياء والرسل ، هم صفوة الله ، وخلص الجوهر ، طهروا في الأصلاب ، وحفظوا في الأرحام ، لم يصبهم سفاح الجاهلية ولا شاب أنسابهم ، لأن الله عز وجل جعلهم في موضع لا يكون أعلى درجة وشرفا منه فمن كان خازن علم الله وأمين غيبه ومستودع سره وحجته على خلقه وترجمانه ولسانه لا يكون إلا بهذه الصفة ، فالحجة لا يكون إلا من نسلهم يقوم مقام النبي في الخلق بالعلم الذي عنده وورثه عن الرسول ، إن جحده الناس سكت ، وكان بقاء ما عليه الناس قليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه ، قد أقاموا بينهم الرأي والقياس ، إن هم أقروا به وأطاعوه وأخذوا عنه ظهر العدل ، وذهب الاختلاف والتشاجر ، واستوى الأمر ، وأبان الدين ، وغلب على الشك اليقين ، ولا يكاد أن يقر الناس به أو يحقوا له بعد فقد الرسول ، وما مضى رسول ولا نبي قط لم تختلف أمّته من بعده ، وإنما كان علة اختلافهم خلافهم على الحجة وتركهم إياه قال : فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة ؟ قال : قد يقتدى به ويخرج عنه الشئ بعد الشئ مما فيه منفعة الخلق وصلاحهم ، فإن أحدثوا في دين الله شيئا أعلمهم ، وإن زادوا فيه أخبرهم ، وإن نقصوا منه شيئا أفادهم ثم قال الزنديق : من أي شيء خلق الأشياء ؟ قال عليه السّلام : لا من شيء . فقال : فكيف يجئ من لا شيء شيء ؟ قال عليه السّلام : إن الأشياء لا تخلو أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء فإن كانت خلقت من شيء كان معه فإن ذلك الشئ قديم ، والقديم لا يكون حديثا ولا يفنى ولا يتغير ، ولا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا ولونا واحدا ، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى ؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذي أنشئت منه الأشياء حيا ؟ أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميتا ؟ ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا ، لأن الحي لا يجئ منه ميت وهو لم يزل حيا ، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل بما هو به من الموت ، لأن الميت لا قدرة له ولا بقاء قال : فمن أين قالوا أنّ الأشياء أزلية ؟ قال : هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل ومقالتهم والأنبياء وما أنبؤوا عنه ،