السيد علي عاشور

79

موسوعة أهل البيت ( ع )

فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال له : يا جعفر إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال لأبيك علي بن أبي طالب عليه السّلام يوما : ( لولا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك قولا لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب قدميك يستشفون به ) وقال علي عليه السّلام : ( يهلك في اثنان : محب مفرط ، ومبغض مفرط ) فالإعتذار منه أن لا يرضى بما يقول فيه المفرط ، ولعمري أن عيسى بن مريم عليهما السّلام لو سكت عما قالت فيه النصارى لعذّبه الله ، وقد نعلم ما يقال فيك من الزور والبهتان ، وإمساكك عمن يقول ذلك فيك ورضاك به سخط الديان ، زعم أوغاد الشام وأوباش العراق أنك حبر الدهر وناموسه ، وحجة المعبود وترجمانه ، وعيبة علمه « 1 » وميزان قسطه ، ومصباحه الذي يقطع به الطالب عرض الظلمة إلى فضاء النور ، وإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من عامل جهل حقك في الدنيا عملا ، ولا يرفع له يوم القيامة وزنا ، فنسبوك إلى غير حدك ، وقالوا فيك ما ليس فيك ، فقل فإن أول من قال الحق لجدك ، وأول من صدقه عليه أبوك عليه السّلام ، فأنت حري بأن تقتص آثارهما ، وتسلك سبيلهما . فقال أبو عبد الله عليه السّلام : أنا فرع من فروع الزيتونة ، وقنديل من قناديل بيت النبوة ، وسليل الرسالة ، وأديب السفرة ، وربيب الكرام البررة ، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور ، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر . فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : قد أحالني على بحر مواج لا يدرك طرفه ، ولا يبلغ عمقه ، تغرق فيه السبحاء ويحار فيه العلماء ، ويضيق بالسامع عرض الفضاء ، هذا الشجا « 2 » المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يحل قتله ، ولا يجوز نفيه ، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة مباركة طاب أصلها وبسق فرعها وعذب ثمرها بوركت في الذر وتقدست في الزبر لكان مني إليه ما لا يحمد في العواقب ، لما يبلغني من شدة عيبه لنا ، وسوء القول فينا . فقال أبو عبد الله عليه السّلام : لا تقبل في ذي رحمك وأهل الدعة من أهلك قول من حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار ، فإن النمام شاهد زور ، وشريك إبليس في الإغراء بين الناس ، وقد قال الله تبارك وتعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية ، ونحن لك أنصار وأعوان ، ولملكك دعائم وأركان ما أمرت بالمعروف والإحسان ، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن ، وأرغمت بطاعتك أنف الشيطان ، وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكرم حلمك ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، فإن المكافئ ليس بالواصل ، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها ، فصل يزد الله في عمرك ويخفف عنك الحساب يوم حشرك . فقال أبو جعفر المنصور : قد قبلت عذرك لصدقك ، وصفحت عنك لقدرك ، فحدثني عن نفسك بحديث أتعظ به ، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات . فقال أبو عبد الله عليه السّلام : عليك بالحلم فإنه ركن العلم ،

--> ( 1 ) الغلوة المرة من غلا : الغاية وهي رمية سهم أبعد ما تقدر عليه . ( 2 ) الشجا : ما اعترض في الحلق من عظم وغيره .