السيد علي عاشور

60

موسوعة أهل البيت ( ع )

يكرهه الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تزلقوا ألسنتكم به فإنّ زلق اللسان فيما يكره الله وما ينهى عنه مرادة للعبد عند الله ومقت من الله وصمّ وعمي وبكم يورثه الله إيّاه يوم القيامة فتصيروا كما قال الله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ « 1 » يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون . وإيّاكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلّا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد ، فأشغلوا ألسنتكم بذلك عمّا نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها ، وعليكم بالدعاء فإنّ المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة له فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله وإيّاكم أن تشره أنفسكم إلى شيء ممّا حرم الله عليكم فإنّه من انتهك ما حرّم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين . واعلموا أنّه بئس الحظ الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها ، ويل لأولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرّتهم وأسوأ حالهم عند ربّهم يوم القيامة ، إستجيروا الله أن يجيركم في مثالهم أبدا وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوّة لنا ولكم إلّا به فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتمّ الله لكم ما أعطاكم به فانّه لا يتم الأمر حتّى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم وحتّى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم وحتى يستذلوكم ويبغضوكم وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحملوا منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الأذى في الله يجترمونه إليكم ، وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبّروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كلّه في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل عليه السّلام على نبيكم صلى اللّه عليه وآله وسلّم سمعتم قول الله تعالى لنبيكم صلى اللّه عليه وآله وسلّم فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ « 2 » . ثمّ قال : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا « 3 » فقد كذب نبي الله والرسل من قبله واوذوا مع التكذيب بالحق فإن سركم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الأصل أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الأصل ومن الذين سماهم

--> ( 1 ) سورة البقرة : 18 . ( 2 ) سورة الأحقاف : 35 . ( 3 ) سورة الأنعام : 34 .