السيد علي عاشور

130

موسوعة أهل البيت ( ع )

بين الإمام الصادق عليه السّلام والصوفية الكافي عن مسعدة بن صدقة قال : دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السّلام فرأى عليه ثيابا بيضاء كأنّها غرقىء البيض يعني قشره الأسفل ، فقال له : إنّ هذا اللباس ليس من لباسك ، فقال له : اسمع ما أقول لك فإنّه خير لك عاجلا وآجلا إن أنت متّ على السنّة والحقّ ولم تمت على بدعة أخبرك أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان في زمان جدب مقفر فأمّا إذا أقبلت فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ومؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفّارها فما أنكرت يا ثوري فوالله إنّني لمع ما ترى ما أتى عليّ مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حقّ أمرني أضعه موضعا إلّا وضعته . قال : وأتاه قوم ممّن يظهر التزهّد ويدعو الناس أن يكونوا على مثل الذي هم عليه من التقشّف فقالوا له : إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحصره حججه فقال لهم : فهاتوا حججكم ؟ فقالوا : إنّ حججنا من كتاب الله يقول الله تبارك وتعالى مخبرا عن قوم من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 1 » فمدح فعلهم . وقال في موضع آخر : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً « 2 » فنحن نكتفي بهذا ، فقال رجل من الجلساء : إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تمتّعوا أنتم منها . فقال عليه السّلام : دعوا عنكم ما لا ينتفع به أخبروني ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذي في مثله هلك من هلك من هذه الامّة ؟ قالوا : بعضه فأمّا كلّه فلا ، فقال لهم : فمن هاهنا أتيتم وكذلك أحاديث رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم فأمّا ما ذكرتم من أخبار الله أمانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم فقد كان مباحا جائزا ولم يكونوا نهوا عنه وثوابهم منه على الله عزّ وجلّ وذلك أنّ الله سبحانه أمر بخلاف ما عملوا فصار أمره ناسخا لفعلهم وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين لئلا يضرّوا بأنفسهم وعيالاتهم منهما لضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعا فمن ثمّ قال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلّم خمس ثمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الإنسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه ثمّ الثانية على نفسه وعياله ثمّ الثالثة على قرابته الفقراء ثمّ الرابعة على جيرانه الفقراء ثمّ الخامسة في سبيل الله وهو أخسّها أجر .

--> ( 1 ) سورة الحشر : 9 . ( 2 ) سورة الإنسان : 8 .