السيد علي عاشور
98
موسوعة أهل البيت ( ع )
الواسعة تقتضي بقاء وجود الحجّة بعد الخلق حتّى لا يبقى واحد بلا إمام ، والإمام آخر من يموت ، كما اقتضت وجود الحجّة قبل إيجاد الخلق ، ولذا خلق الخليفة أوّلا ثمّ خلق الخليقة كما قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 1 » . قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق ، فأرجع البصر كرّتين أيّها الطالب للرشاد والباغي للسّداد في هذا الحديث الذي كأنّه عقل تمثّل بالألفاظ وأقم واستقم . الحديث الثاني : في الكافي أيضا بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه قال : سمعته يقول : إنّ الأرض لا تخلو إلّا وفيها إمام كي ما إن زاد المؤمنون شيئا ردّهم ، وإن نقصوا شيئا أتمّه لهم « 2 » . أقول : وكذا جاءت روايات أخر فيه أيضا تقرب منه مضمونا ، منها ما روى عبد اللّه بن سليمان العامري عن أبي عبد اللّه قال : ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجّة يعرّف الحلال والحرام ، ويدعو النّاس إلى سبيل اللّه « 3 » . ومنها عن أبي بصير عن أحدهما قال : إنّ اللّه لم يدع الأرض بغير عالم ، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل « 4 » . والغرض أنّ الإمام يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام الإلهيّة وعارفا بالحلال والحرام ، بحيث لا يشذ عنه حكم جزئي منها ، فإنّه لو لم يكن متّصفا بهذه الصفة لم يقدر أن يردّ شيئا إن زاده المؤمنون أو أتمّه إن نقصوه ، فيلزم التغيير والتبديل ولا زيادة ولا نقصان في دين اللّه ، فلا يكمل نظام النوع الإنساني به بل يلزم الهرج والمرج المهلكان ، فالإمام مستجمع للغاية القصوى من الصدق والأمانة وبالغا في العلوم الربانية والمعارف الإلهية وتمهيد المصالح الدينيّة والدّنيوية مرتبة النهاية ، على أنّ العقل حاكم بقبح استكفاء الأمر وتوليته من لا يعلمه ، وتعالى اللّه عن ذلك ، فالإمام لكونه حافظا للدين ومقتدى للناس في جميع الأحكام الظاهرية والباطنية والكلّية والجزئية والدّنيويّة والأخرويّة والعباديّة وغيرها ، يجب أن يكون عالما بجميعها كما هو الحكم الصريح للعقل السليم ، وليس لأحد أن يقول : إنّه إمام فيما يعلم دون ما يعلم ، لظهور قبح هذا القول وشناعته والمفاسد التالية عليه ، ممّا يدركها من كان له أدنى بصيرة في معنى الإمام وغرض وجوده في الأنام ، فإذا علم بحكم العقل أنّ الإمام يجب أن يكون مقتدى به في جميع الشريعة وجب أن يكون معصوما ، لأنه لو لم يكن معصوما لم نأمن في بعض أفعاله أن يكون قبيحا ، والفرض أنّ الاقتداء به واجب علينا واللّه
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 30 . ( 2 ) شرح أصول الكافي : 5 / 123 ، والكافي : 1 / 168 . ( 3 ) كتاب الغيبة : 138 ح 4 ، وبحار الأنوار : 23 / 56 . ( 4 ) بحار الأنوار : 23 / 25 ح 33 ، وميزان الحكمة : 1 / 117 ح 138 .