السيد علي عاشور
80
موسوعة أهل البيت ( ع )
إنّ الإمامة أجلّ قدرا وأعظم شأنا وأعلى مكانا وأمنع جانبا وأبعد غورا من أن يبلغها النّاس بعقولهم ، أو ينالوها برأيهم أو يقيموا إماما باختيارهم . إنّ الإمامة خصّ اللّه بها إبراهيم الخليل بعد النّبوة ، والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه اللّه بها فأشاد بها ذكره فقال عزّ وجلّ : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً « 1 » . قال الخليل سرورا بها ( ومن ذرّيتي ) قال اللّه تبارك وتعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ « 2 » . فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة . ثمّ أكرمه اللّه أن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة فقال عزّ وجلّ : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ « 3 » . فلم يزل في ذريته يرثها بعض عن بعض ، قرنا فقرنا حتّى ورثها النّبيّ فقال جلّ جلاله : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ « 4 » . فكانت له خاصّة فقلّدها النّبي عليّا بأمر ربّه عزّ وجلّ على رسم ما فرض اللّه ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم اللّه العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ « 5 » . وهي في ولد عليّ خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد فمن أين يختار هؤلاء الجهّال ؟ إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إنّ الإمامة خلافة اللّه عزّ وجلّ وخلافة الرّسول ، ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين . إنّ الإمامة زمام الدّين ونظام المسلمين وصلاح الدّنيا وعزّ المؤمنين . إنّ الإمامة اسّ الإسلام النامي وفرعه النامي . بالإمام تمام الصّلاة والزّكاة والصّيام والحجّ والجهاد ، وتوفير الفي والصّدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف . الإمام يحلّ حلال اللّه ويحرّم حرام اللّه ويقيم حدود اللّه ، ويذبّ عن دين اللّه ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة . الإمام كالشمس الطالعة للعالم ، وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار . الإمام البدر المنير والسراج الظاهر والنّور السّاطع ، والنجم الهادي في غياهب الدّجى والبلد القفار ولجج البحار .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 124 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 124 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، الآية : 72 - 73 . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية : 68 . ( 5 ) سورة الروم ، الآية : 56 .