السيد علي عاشور

62

موسوعة أهل البيت ( ع )

واعلم أنّ أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهّلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت وإجابتك له حين دعيت فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة ، أنّك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا ولم تردّ باطلا حين أدناك وأحببت من حادّ اللّه ، أوليس بدعائه إيّاك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلّما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم ، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمّروا لك فكيف ما خربوا عليك ، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيرا وكبيرا ، فما أخوفني أن تكون كما قال اللّه في كتابه فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا « 1 » . إنّك لست في دار مقام ، أنت في دار قد آذنت برحيل فما بقاء المرء بعد قرنائه ، طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ويابؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده ، إحذر فقد نبئت وبادر فقد أجلّت ، إنّك تعامل من لا يجهل وإنّ الذي يحفظ عليك لا يغفل ، تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسب أنّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك لكني أردت أن ينعش اللّه ما قد فات من رأيك ويردّ إليك ما عزب من دينك وذكرت قول اللّه تعالى في كتابه وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » . أغفلت ذكر من مضى من أسلافك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب ، أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه أم هل تراهم ذكرت خيرا أهملوه وعلمت شيئا جهلوه ، بل حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامّة وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ويعملون بأمرك إن أحللت احلّوا وإن حرّمت حرّموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم ، أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة وما الناس فيه من البلاء والفتنة ، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه وفي بلاء لا يقدّر قدره فاللّه لنا ولك وهو المستعان . أمّا بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسمالهم ، لا صقة بطونهم بظهورهم ليس بينهم وبين اللّه حجاب ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها ، رغبوا فطلبوا فما لبثوا أن لحقوا فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 169 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية : 55 .