السيد علي عاشور
35
موسوعة أهل البيت ( ع )
يا نفس حتّام إلى الدنيا غرورك ، وإلى عمارتها ركونك ؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من ألّافك ، ومن فجعت به من إخوانك ، ونقل البلى من أقرانك ؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها * محاسنهم فيها بوال دواثر خلت دورهم منها وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر وخلّوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمتهم تحت التراب الحفائر كم تخرّمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيّرت الأرض ببلاها ، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس ، وشيّعتهم إلى الأرماس . وأنت على الدنيا مكبّ منافس * لخطائها فيها حريص مكاثر على خطر تمسي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر وإنّ امرأ يسعى لدنياه دائبا * ويذهل عن أخراه لا شكّ خاسر فحتّام على الدنيا إقبالك ، وبشهواتها اشتغالك ؟ وقد وخطك القتير « 1 » ، وأتاك النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذة نومك لاه . وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللّهو والّلذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربّص * وشيب قذال منذر لك كاسر كأنّك تعني بالذي هو صائر * لنفسك عمدا أو عن الرشد حائر أنظر إلى الأمم الماضية ، والملوك الفانية ، كيف أفنتهم الأيام ، ووفاهم الحمام ، فانمحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم . وأضحوا رميما في التراب وعطّلت * مجالس منهم أقفرت ومقاصر وحلّوا بدار لا تزاور بينهم * وأنّى لسكان القبور تزاور فما أن ترى إلّا جثى قد ثووا بها * مسطّحة تسفي عليها الأعاصر كم ذي منعة وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكّن من دنياه ، ونال فيها ما تمنّاه ، وبنى القصور والدساكر « 2 » ، وجمع الأعلاق « 3 » والذخائر : فما صرفت كفّ المنية إذ أتت * مبادرة تهوى عليه الذخائر
--> ( 1 ) القتير : الشيب ، أو أوله ( القاموس المحيط ) . ( 2 ) الدساكر ، هي أبنية كالقصور حولها بيوت ، واحدتها دسكرة ، ( انطر القاموس ) . ( 3 ) الأعلاق جمع علق ، وهو النفيس من كل شيء ( انظر القاموس ) .