السيد علي عاشور

145

موسوعة أهل البيت ( ع )

وقال عز من قائل وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 1 » . ثم يقول : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ . وقال تعالى : فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ، وَلْيُؤْمِنُوا بِي ، لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ « 2 » . وقال تعالى : يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 3 » . قال الإمام الصادق عليه السّلام قال : « الدّعاء يردّ القضاء بعد ما أبرم إبراما فأكثر من الدّعاء فإنّه مفتاح كلّ رحمة ونجاح كلّ حاجة ولا ينال ما عند الله عزّ وجلّ إلّا بالدّعاء وإنّه ليس باب يكثر قرعه إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه » « 4 » . * * * المفهوم الحقيقي للدعاء قال صاحب تفسير الأمثل : علمنا أنّ الدعاء إنّما يكون فيما خرج عن دائرة قدرتنا ، بعبارة أخرى الدعاء المستجاب هو ما صدر لدى الاضطرار وبعد بذل كل الجهود والطاقات أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ « 5 » . يتّضح من ذلك أنّ مفهوم الدعاء طلب تهيئة الأسباب والعوامل الخارجة عن دائرة قدرة الإنسان ، وهذا الطلب يتجه به الإنسان إلى من قدرته لا متناهية ومن يهون عليه كل أمر . هذا الطلب طبعا يجب أن لا يصدر من لسان الإنسان فقط ، بل من جميع وجوده ، واللسان ترجمان جميع ذرات وجود الإنسان وأعضائه وجوارحه . يرتبط القلب والروح باللّه عن طريق الدعاء ارتباطا وثيقا ، ويكتسبان القدرة عن طريق اتصالهما المعنوي بالمبدأ الكبير ، كما تتصل القطرة من الماء بالبحر الواسع العظيم . جدير بالذكر أنّ هناك نوعا آخر من الدعاء يردّده المؤمن حتى فيما اقتدر عليه من الأمور ، ليعبّر به عن عدم استقلال قدرته عن قدرة الباري تعالى ، وليؤكد أنّ العلل والعوامل الطبيعية إنما هي منه سبحانه ، وتحت إمرته . فإن بحثنا عن الدواء لشفاء دائنا ، فإنّما نبحث عنه لأنّه سبحانه أودع في الدواء خاصية الشفاء ( هذا نوع آخر من الدعاء أشارت إليه الروايات الإسلامية أيضا ) .

--> ( 1 ) سورة ق ، الآية : 16 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 186 . ( 3 ) سورة الأنفال ، الآية : 24 . ( 4 ) أصول الكافي ، ج 2 ، كتاب الدعاء ( باب إن الدعاء يرد البلاء ) ، الحديث 7 . ( 5 ) سورة النمل ، الآية : 62 .