السيد علي عاشور
115
موسوعة أهل البيت ( ع )
الأبديّة التي لا تحصل إلّا بالتخلّق بأخلاق اللّه والاتّصاف بصفاته العليا ، وليس كل طريق وفعل وقول بمقرب النّاس إليه تعالى بالضرورة ، فيحتاج إلى هاد يهديه سبل الخير وما فيه رضوانه تعالى وما فيه سخطه ، ولا يتأتى ذلك إلّا بالوحي ، ولا يوحى إلى كل واحد من آحاد النّاس لعدم قابلية كلّ واحد لذلك ، فإنّ للنبوّة صفات خاصّة لا يتحملها إلّا الأوحدي من النّاس ، المؤيد من عند اللّه تبارك وتعالى كما حقق في محلّه ، فالعقل السليم يطلب من اللّه تعالى إرسال الرسل ، فلولا البعثة لكان اللّه تعالى ظالما لعباده ، فإذا أوحى اللّه تعالى ما فيه خير البرية وسعادته وما يوجب رضوانه تعالى وسخطه إلى رسول بالبراهين والمعجزات والبيّنات فيأخذ النّاس معالم دينه ومعارف شريعته من الرسول ، قال عزّ من قال : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وأنّ ما قال في القرآن وكانت طاعته مفروضة وكان الحجّة على النّاس بعد رسول اللّه « 1 » . وقال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 2 » . المطلب الثّالث : أنّ الحجّة على النّاس بعد خاتم النبيّين من هو ؟ وهذا المطلب في المقام هو الأهمّ لأنّ المسلمين اتفقوا في وجود من يكون حافظا للشرع من الزيادة والنقصان وللأمة من الظلم والطغيان ، كما علم على ما بينّاه في المباحث السالفة وإنّما الكلام في ذلك الحجّة بعد النّبيّ وهو إمّا الكتاب أو السنّة المتواترة أو الخبر الواحد أو الإجماع أو القياس أو البراءة الأصليّة أو الاستصحاب أو العالم القائم مقام النّبيّ ، والأخير أيضا على وجهين : إمّا العالم مطلقا أو العالم المعصوم من الذنوب ، المنزّه من العيوب ، المنصوب من عند علّام الغيوب ، المؤيد بتأييدات سماوية ، المهدي بهداية إلهيّة ، وهذه وجوه محتملة في المقام لا بدّ للبصير الناقد أن ينظر فيها ويبحث عنها . فنقول : أمّا الكتاب فهو كما قال منصور بن حازم يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به ، حتّى يغلب الرجال بخصومته فالقرآن لا يكون حجّة إلّا بقيّم . ونزيدك بيانا في المقام حتّى يتبيّن الحق فنقول : لا ريب أنّ للّه تعالى في كل واقعة وفي كلّ ما يحتاج إليه النّاس في معاشهم ومعادهم حكما ، وهي أمور غير متناهية وكذا لا ريب أنّ اللّه تعالى نزّل القرآن تبيانا لكلّ شيء كما نصّ به عزّ من قائل في سورة النحل آية 89 : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 3 » . وفي ذلك روى ثقة الإسلام الكلينيّ قدّس سرّه ، في أصول الكافي بإسناده عن مرازم عن أبي
--> ( 1 ) سورة الجمعة ، الآية : 2 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 125 . ( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 .