السيد علي عاشور

112

موسوعة أهل البيت ( ع )

في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم وأفعالهم ، لا بدّ من أن يكون مزاجهم أعدل الأمزجة الإنسانيّة اللائق بنفوسهم القدسية . ولمّا كان الأنبياء بعضهم أفضل من بعض كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ « 1 » . فلا بدّ من أن يكونوا متفاوتين في اعتدال المزاج وصفاء النّفس النّاطقة القدسية وسعتها الوجوديّة ، وكذا الكلام في خاتمهم الذي هو أكمل موجود في النّوع الإنساني وأوتي جوامع الكلم التي هي أمّهات الحقائق الإلهيّة والكونيّة ، ولذا كان الرّوح المحمّدي أوّل دليل على ربّه ، لأنّ الربّ لا يظهر إلّا بمربوبه ومظهره وكمالات الذات بأجمعها إنّما تظهر بوجوده الأكمل . والمروي عنه : واللّه لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حلّ له إلّا أن يتبعني . قوله : حكماء مؤدّبين في الحكمة ، أي أدّبهم اللّه تعالى في الحكمة ، يقال : أدّبه إذا هذّبه وراض أخلاقه ، وأدّبه في أمر إذا علّمه وراضه حتّى تأدّب فيه ، وفي الجامع الصّغير في أحاديث البشير النذير نقلا عن ابن عدي في الكامل عن ابن مسعود أنّه قال : أدبني ربّي فأحسن تأديبي . ومن حيث أنّهم حكماء مؤدّبين في الحكمة والحكمة هو العدل والوسط في كلّ أمر ، فهم على الجادة الوسطى ، التي ليست النّجاة إلّا بالإستقامة فيها ، فمن اقتدى بهم واقتفى آثارهم فقد هدي إلى الصّراط المستقيم ، فإنّ الحجج الإلهيّة في الحقيقة موازين للنّاس ونبيّ كلّ أمّة هو ميزان تلك الأمّة لأنّ ميزان كلّ شيء بحسبه هو المعيار الذي يعرف به قدره ، وحدّه وصحته وسقمه وزيادته ونقصانه واستواؤه ، فقد يكون ذلك الشئ من الأجسام ، فميزانه ما وضع من جنسه من الأحجار وغيرها ، كالمّد والمنّ والمكاييل والزرع وغيرها لتعيين وزن ذلك الشئ وتقديره ، وقد يكون ذلك الشئ من الكلمات فيوزن صحتها واعتلالها بميزانه الذي هو الفاء والعين واللام ، كما بيّن في علم الصرف . وعلم المنطق يكون ميزانا لتمييز النتيجة الصحيحة من السقيمة ، وعلم العروض ميزانا للأشعار ، وميزان النّاس ما يوزن به قدر كل امرء وقيمته على حسب أعماله ، وأخلاقه وعقائده وصفاته ، وحيث أنّ الأنبياء بعثوا على الحق ولا يميلون عن العدل مقدار قطمير ، ولا يصدر منهم سهو ولا نسيان ، فهم معيار الحق وميزان الصّدق وفيصل الأمور ، فمن تأسّى بهم وحذا حذوهم فقد فاز فوزا عظيما وإلّا فقد خسر خسرانا مبينا . وبما ذكرنا على ما في الكافي عن الإمام الصادق من أنّه سئل عن قول اللّه وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ « 2 » ؟ قال : هم الأنبياء والأوصياء . وكذا في رواية أخرى عنه : نحن الموازين القسط « 3 » .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 253 . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 47 . ( 3 ) بحار الأنوار : 7 / 243 ، والتفسير الصافي : 2 / 182 .