السيد علي عاشور
110
موسوعة أهل البيت ( ع )
بشر ، لأنه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد ألفتموه ، لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأنّ ما يقوله حق ؟ بل إنّما بعث اللّه بشرا وأظهر على يده المعجزات ، التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنّه معجزة ، وأنّ ذلك شهادة من اللّه بالصدق له ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما تعجز عنه البشر ، لم يكن في ذلك ما يدلكم أنّ ذلك لكم ، ليس في طبائع سائر أجناس الملائكة حتّى يصير ذلك معجزا ، ألا ترون أنّ الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجزة ، لأن لها أجناسا تقع منها مثل طيرانها ولو أنّ آدميّا طار كطيرانها كان ذلك معجزا ، فاللّه عزّ وجلّ سهّل عليكم الأمر وجعله بحيث يقوم عليكم حجّته وأنتم تقترحون عمل الصّعب الذي لا حجّة فيه . ثمّ قال رسول اللّه : وأمّا قولك : ( ما أنت إلّا رجل مسحور ) فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أنّني في صحة التميز والعقل فوقكم ، فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو زلّة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي ، أتظنّون أنّ رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوّتها أو بحول اللّه وقوّته - إلى آخر الحديث بطوله « 1 » . أمّا الأمر الثّاني أعني أنّ النبيّ مع البشريّة ، يجب أن يكون متميزا عن سائر النّاس ، بأوصاف قدسيّة ، فأشار إليها بقوله : أنّ الأنبياء صفوته من خلقه أوّلا ، وأنّهم حكماء مؤدّبين في الحكمة ثانيا ، ومبعوثين بها ثالثا ، وغير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم رابعا ، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة خامسا . وهذه أمور لا بدّ للنّاظر من البحث عنها والنيل إلى حقيقة مغزاها . واعلم أنّ الأنبياء لكونهم سفراء له تعالى إلى خلقه ، وأمناؤه على وحيه وخلفاؤه لا بدّ من أن يكونوا متّصفين بالأوصاف القدسيّة الإلهيّة ، ومتخلّقين بالأخلاق الرّبوبيّة ، فإنّ الخليفة لا بدّ وأن يكون موصوفا بصفات المستخلف ، حتّى يتحقّق له اسم الخلافة ، والعناية الأزليّة تأبى بعث من لم يكن كذلك ، لبعده عن الإتّصاف بصفات الحق والإتّصال بحضرة القدس . وقد قال الحكماء ومنهم الشيّخ في الشّفاء ، أنّ النّفس الناطقة كمالها الخاصّ بها أن يصير عالما عقليا مرتسما فيها صور الكلّ والنّظام المعقول في الكلّ ، والخير الفائض في الكل ، وأفضل النّاس من استكملت نفسه عقلا بالفعل محصلا وللأخلاق التي تكون فضائل عمليّة ، وأفضل هؤلاء هو المستعدّ لمرتبة النبوّة ، وهو الذي في قواه النّفسانيّة خصائل ثلاث : أن يعلم جميع المعلومات أو أكثرها من عند اللّه ، وأن تطيعه مادة الكائنات بإذن اللّه ، وأن يسمع كلام اللّه ويرى ملائكة اللّه . أمّا العلم بجميع المعلومات والإطّلاع على الأمور الغائبة من غير كسب وفكر ، فيحصل من
--> ( 1 ) الاحتجاج : 1 / 30 ، والبحار : 9 / 273 .