السيد علي عاشور
102
موسوعة أهل البيت ( ع )
قال : أنا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجّوه ، ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم فثبّت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه ، والمعبّرون عنه جلّ وعزّ وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين في الحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم ، مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة ، ثمّ ثبت ذلك في كلّ دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكيلا تخلو أرض اللّه من حجّة يكون معه علم ، يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته « 1 » . أقول : الغرض من هذا الحديث العقلي البرهاني المشتمل على مسائل عظيمة وفوائد مهمّة أنّ الأرض ما دامت باقية لا تخلو من حجّة يهدي النّاس إلى سبيل الرّشاد والسّداد ، ويستنقذ عباد اللّه من الجهالة وحيرة الضلالة ، مبتنيا على مقدمات عقلية وليس الغرض من الإتيان بهذه الأحاديث كما أشرنا إليه آنفا التمسك بها تعبدا ، حتى يلزم الدور ، بل لمّا رأينا من أنها احتجاجات على أساس عقلي برهاني أردنا ذكره لإنجاز المقصود والإيصال إلى المطلوب ، وبالفرض لو لم تكن أمثال هذا الحديث صادرة عنهم لكان استدلالات تامّة واحتجاجات وافية في المقصود ، وهذه الأحاديث وأمثالها معاضدات للعقل في حكمه وإرشادات له في قضائه ، ونحن بعون اللّه نأتي في بيان الحديث بطائفة من المطالب المختارة الحكيمة العقلية ليزداد الطالب بصيرة إلى الفلاح وهداية إلى النجاة والنجاح . قوله : إنّا لمّا أثبتنا أن لنا خالقا صانعا . فيه إشارة إلى معرفة اللّه تعالى بالعقل والنظر والبرهان ، لا بتقليد الآباء والأمّهات والعلماء والأساتيذ وغيرهم . قوله : متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق . فإنّ ما سواه تعالى مخلوقه ومعلوله ممكن في ذاته ، ومحتاج في وجوده وبقائه إلى جنابه ، فإنّ الممكن في اتّصافه بالوجود يحتاج إلى جاعل مرجح يخرجه من العدم ويجعله متّصفا بالوجود ، فإن كلّ عرضي معلّل ولمّا كانت العلة المحوجة إليه تعالى هو الإمكان ، وإنّ الإمكان لا يزول عن الممكن الموجود أيضا ، فمفتقر إلى علّته في بقائه وجود العلّة فوق وجود المعلول في وجوده وجميع صفاته ، ومتعال عن التّجسّم والتعلّق بالمواد والأجسام ، وعن كلّ حد وصمة يتطرق في معلولاته . قوله : وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا ، فإنّ إتقان صنعه في مخلوقه على قدر لائق لكل شيء ، والنظام الأكمل الأتمّ المشهور في الكون المحيّر للعقول ، والأمور الغريبة الحاصلة في خلق
--> ( 1 ) شرح أصول الكافي : 5 / 76 ح 1 ، وميزان الحكمة : 4 / 3005 .