السيد علي عاشور

63

موسوعة أهل البيت ( ع )

فلمّا صار الليل خرجت فرأيت من تلك المعركة نورا لا ظلمة ونهارا لا ليلا والقتلى مطروحين على وجه الأرض فذكرت التكة فطلبت الحسين فوجدته مكبوبا على وجهه وهو جثّة بلا رأس ونوره مشرق مرمّل بدمائه فنظرت إلى سراويله كما كنت أراها فضربت يدي إلى التكة لآخذها فإذا هو قد عقدها عقدا كثيرة حتّى حللت عقدة منها فمدّ يده اليمنى ووضعها على التكة فدعتني نفسي إلى أن أقطع يده فوجدت قطعة سيف فقطعتها ونحّيتها عن التكة فمدّ يده اليسرى ووضعها على التكة فطعنتها بالسيف ومددت يدي على التكة فإذا الأرض ترجف والسماء تهتزّ وإذا بجلبة عظيمة وقائل يقول : وا أبتاه وا مقتولاه وا ذبيحاه وا حسيناه وا غريباه يا بني قتلوك وما عرفوك ومن شرب الماء منعوك . فرميت نفسي بين القتلى وإذا بثلاث نفر وامرأة وحولهم خلائق وقوف وقد امتلأت الأرض بأجنحة الملائكة وإذا بالحسين قد جلس ورأسه على بدنه وهو يقول : يا جدّاه يا رسول اللّه ويا أبتاه يا أمير المؤمنين ويا أمّاه يا فاطمة الزهراء ويا أخاه المقتول بالسمّ عليكم منّي السلام ثمّ بكى وقال : يا جدّاه قتلوا رجالنا وذبحوا أطفالنا يعزّ واللّه عليك أن ترى حالنا وما فعلوا بنا وإذا هم جلسوا يبكون حوله وفاطمة تقول : يا أباه أما ترى ما فعلت أمّتك بولدي فأخذت من دمه ومسحت شعرها وقالت : ألقى اللّه عزّ وجلّ وأنا مختضبة بدم ولدي الحسين وأخذ منه رسول اللّه وعليّ بن أبي طالب والحسن ومسحوا به صدورهم وأيديهم إلى المرافق . وسمعت رسول اللّه يقول : فديتك يا حسين يعزّ عليّ واللّه أن أراك مقطوع الرأس مكبوبا على قفاك مقطوع الكفّين ، يا بني من قطع يدك اليمنى وثنّى باليسرى ؟ فقال : يا جدّاه كان معي جمّال من المدينة وحكى له كما فعلته به . فبكى النبيّ وأتى إليّ بين القتلى فقال : ما لي وما لك يا جمّال تقطع يدين طالما قبّلهما جبرئيل وملائكة اللّه وتباركت بهما أهل السماوات والأرضين سوّد اللّه وجهك يا جمّال في الدّنيا والآخرة وقطع اللّه يديك ورجليك فشلّت يداي واسودّ وجهي وبقيت على هذه الحالة فجئت إلى هذا البيت أستشفع وأنا أعلم أنّه لا يغفر لي أبدا ، فلم يبق بمكّة أحد إلّا لعنه وخرج من مكّة « 1 » . * * * انتقام القائم من قتلة الحسين عليهما السّلام قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : لمّا كان من أمر الحسين عليه السّلام ما كان ضجّت الملائكة إلى اللّه بالبكاء وقالت : يفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك ؟ قال : فأقام اللّه لهم ظلّ القائم عليه السّلام وقال : بهذا أنتقم لهذا « 2 » .

--> ( 1 ) مدينة المعاجز : 3 / 83 . ( 2 ) الكافي : 1 / 465 ح 1 .