السيد علي عاشور
117
موسوعة أهل البيت ( ع )
* الجواب الرابع : [ أنهم علموا أنّهم لو لم يفعلوا ذلك لأهلكوهم بوجه أشنع من ذلك فاختاروا أيسر الأمرين ] ما ذكره العلّامة المجلسي أيضا من أنه يمكن أن يقال : ( لعلّهم علموا أنّهم لو لم يفعلوا ذلك لأهلكوهم بوجه أشنع من ذلك فاختاروا أيسر الأمرين ) « 1 » . أقول : هذا يصح بالنسبة لأمثالنا ذلك أننا إذا علمنا بشرّين فإننا نختار أيسرهما . أمّا آل محمّد عليهم السّلام فإن المسألة بالنسبة لهم تختلف ، فإنّ اللّه هو الذي يقدّر أمورهم ، فلو علم اللّه أن تلك الموتة أنفع للإمام أو للشيعة أو لمصلحة ما ؛ لأوجبها عليهم ، وهم عليهم السّلام لما اختاروا غيرها . وبعبارة أخرى : الإمام يعلم ما اختار اللّه له من كيفية موته ، وهو عليه السّلام لا يريد إلّا ما أراد اللّه ، فالمسألة ليست مسألة علم الإمام بكيفية الموت فقط ، بل المسألة تتعلّق بشيء أعظم من ذلك ، والتخيير للإمام في اختيار أي الموتتين مرتبط بمقام يستحق أن يختار الإمام لأجله فراق الشيعة . على أن الإمام الكاظم عليه السّلام حاول الطاغية الرشيد قتله أوّلا بالسم فلم يفلح ، ثم عاد وقتله بالسم نفسه « 2 » فالموتة الأولى كانت كالثانية . * الجواب الخامس : ما وردت به بعض الروايات أن اللّه ينسي الإمام لينفذ حكمه فيه ، كالمروي عن الإمام الرضا عليه السّلام في تناول الرطب من الإمام الكاظم عليه السّلام فقال : « أنساه لينفذ فيه الحكم » « 3 » . وفي رواية أخرى : « غاب عنه المحدث » « 4 » . * أقول : وهذا يرفع إشكال إقدام الإمام على تناول السم والرمي بالتهلكة لأنّه أكل العنب وهو لا يعلم أنّه مسموم . وفيه : أوّلا : أنه ينافي ما تقدّم من روايات وأنّه من علامات الإمام العلم بموته . ثانيا : ينافي علم الإمام وسعته بما تقدّم في مواضع مختلفة ومستفيضة وأنّه يشمل كل شيء . ثالثا : ما ثبت في محله من نفي السهو أو الاسهاء عن الإمام . رابعا : هذا الجواب لا يتناسب مع عظمة الإمام إذ يكون الإمام لا يعلم إلى أين يصير ، ولا يختار بنفسه ما عند اللّه عزّ وجلّ من المقام المحمود ، ويكون كبقية الناس يقدم على أمر خفيّ مجهول .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 48 / 236 . ( 2 ) الهداية الكبرى : 265 باب 9 . ( 3 ) بصائر الدرجات : 481 ح 3 ، وبحار الأنوار : 48 / 235 - 236 ح 42 . ( 4 ) بحار الأنوار : 48 / 242 ح 50 عن رجال الكشي : 371 .