السيد علي عاشور

24

موسوعة أهل البيت ( ع )

والأمر الثالث : من كون الشارع أوكل الاختيار للإنسان ، فهو واضح البطلان إما للأدلة الخاصة التي تنص أن تولية الولي من قبل المعصومين عليه السّلام ، وإما للزومه اختلاف الناس على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم . والأمر الرابع : فيه خلط ، فليس المتبع في إيران الإسلام أنّ الولي الفقيه يبايع من قبل الناس أو ينتخب ، نعم أوضحنا في محلّه أنّ دستور الجمهورية يشترط تعين الولي من قبل الخبراء وهذا غير ثبوت الولاية العامة . والأمر الخامس : كسابقيه فليس ديدن العقلاء على البيعة بهذا المعنى في الأمور الخطيرة كالولاية والإمامة ، بل نجد العقلاء على تقديم الأعلم والأفضل بالتعيين والنص ، نظير لو وجد عدة أطباء بنفس التخصص فإننا لا نجد عاقلا يقول إنتخبوا أحدهم أو تعالوا لنبايع أحدهم ، بل نجدهم وبلا تردد يعينون الأعلم والأجدر منهم ، نعم إذا كانت البيعة بالمعنى الأول والثالث صحّ . إلّا إذا قدمت المصالح الشخصية فعندها على العقول السليمة السلام . ومن الشواهد على بطلان البيعة بهذا المعنى الانتخاب والشورى بناء على تماميتها ، كما ذكرناه في محلّه . والخلاصة ما قيل في البيعة التأسيسية غير سليم ولا دليل معتبر عليه ، بل لعله من الأفكار المتسربة من التاريخ الدخيل العامّي إذ ما زالوا ينادون بالبيعة وألّفوا فيها الكتب لإلغاء النص المتبع عند مذهب أهل بيت العصمة والطهارة عليه السّلام . نعم ، للبيعة بهذا المعنى مصداق وقع في صدر الإسلام وهو البيعة التي حصلت في سقيفة بني ساعدة بقوة الإرهاب والرشوة وقد أوضحنا ذلك في كتابنا هذا ، فهذه البيعة التي حصلت في السقيفة أنشأت خلافة مزعومة استمرت سنتين ، إلّا أنها بيعة باطلة لمخالفتها لنص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الخليفة الحقيقي الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام . وبطلانها يتبين من تصريحات الصحابة أنفسهم منذ انعقاد هذه البيعة ، فإنهم صرّحوا أنّ أمير المؤمنين أولى من غيره لأعلميته وأفضليته ولنص النبي عليه ، كتصريح : معاوية ، وسلمان ، والعباس ، وأبو سفيان ، وابن عباس ، والمقداد كما تقدم في سيرة أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » . - وهناك عدة آيات وروايات تنفي توكيل أمر الأمة للإنسان نحو : - النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ « 2 » .

--> ( 1 ) شرح النهج 9 / 21 خطبة 135 ، وتاريخ المدينة 3 / 931 ذيل أخبار عمر . ( 2 ) سورة الأحزاب ، الآية : 6 .