السيد علي عاشور

109

موسوعة أهل البيت ( ع )

فتثاقلوا عنه فخرج معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة أبيه وبعضهم أهل أطماع وغنائم وبعضهم أصحاب عصبية حتّى نزل ساباط ، فلمّا أصبح أراد أن يمتحن أصحابه فأمر بالصلاة جامعة وصعد المنبر وخطب وقال في خطبته : إنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة ، ألا وانّي ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري . فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا : يريد أن يصالح معاوية ويسلّم الأمر إليه ، فقالوا : كفر واللّه الرجل ، ثمّ شدّوا على فسطاطه وانتهبوه حتّى أخذوا مصلّاه من تحته ونزعوا مطرفه عن عاتقه فركب فرسه وأحدق به شيعته وسار حتّى بلغ مظلم ساباط فبدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فقال : أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثمّ طعنه في فخذه فوثب إليه جماعة من شيعته فقتلوه . وحمل الحسن عليه السّلام على سرير إلى المدائن يعالج جرحه وكتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة استحثّوه على المسير وضمنوا له تسليم الحسن عليه السّلام عند دنوّهم من عسكره والفتك به ، فبلغ الحسن عليه السّلام ذلك وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه مع عبيد اللّه بن العبّاس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية ويردّه عن العراق وجعله أميرا على الجماعة وقال : إن أصيب فالأمير قيس بن سعد ، فوصل كتاب قيس يخبره أنّهم نازلوا معاوية وأنّ معاوية أرسل إلى عبيد الله يرغّبه في المسير إليه وضمن له ألف ألف درهم فانسلّ في الليل إلى عسكر معاوية فأصبح الناس وقد فقدوا أميرهم فصلّى بهم قيس ونظر في أمورهم فازدادت بصيرة الحسن عليه السّلام بخذلان القوم له ، وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له الفتك به ، فاشترط لنفسه في الصلح شروطا كثيرة وكان يعلم أنّه لا يفي بها غير أنّه لم يجد بدّا من إجابته إلى ترك الحرب من جهة أنّ جماعة من أصحابه استحلّوا دمه ، وممّا اشترط عليه : أن لا يسبّ أمير المؤمنين ولا يقنت عليه في الصلوات وأن لا يتعرّض لشيعته بسوء فحلف له معاوية على ذلك ، فلمّا استتمت الهدنة سار معاوية حتّى نزل بالنخيلة ، وذلك يوم الجمعة فصلّى بالناس ثمّ خطبهم وقال : إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا تصوموا وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم له كارهون ، وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها . ثمّ دخل الكوفة وخطب الناس وذكر أمير المؤمنين عليه السّلام ونال منه ونال من الحسن عليه السّلام وكان الحسن والحسين عليهما السّلام حاضرين ، فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه فأخذ بيده الحسن وأجلسه ثمّ قام فقال : أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر وأمّي فاطمة وأمّك هند وجدّي رسول اللّه وجدّك حرب وجدّتي خديجة وجدّتك [ فتيلة ] ، فلعن اللّه أخملنا ذكرا وألأمنا حسبا وشرّنا قدما وأقدمنا كفرا ونفاقا ، فقالت طوائف من أهل المسجد : آمين آمين « 1 » .

--> ( 1 ) مناقب آل أبي طالب : 3 / 198 ، والبحار : 44 / 49 .