السيد علي عاشور
27
موسوعة أهل البيت ( ع )
لا تفيئون إلى خير ، وإنّ فيكم من يطرح في القليب ، ومن يحزّب الأحزاب . ثمّ قال صلّى اللّه عليه واله وسلّم : يا أيّتها الشّجرة إن كنت تؤمنين باللّه واليوم الآخر ، وتعلمين أنّي رسول اللّه ، فانقلعي بعروقك حتّى تقفي بين يديّ بإذن اللّه . فو الّذي بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها ، وجاءت ولها دويّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطّير ، حتّى وقفت بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم مرفرفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، وببعض أغصانها على منكبي ، وكنت عن يمينه صلّى اللّه عليه واله وسلّم . فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا - علوّا واستكبارا : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك ، فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم ، فقالوا - كفرا وعتوّا : فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره صلّى اللّه عليه واله وسلّم فرجع ، فقلت أنا : لا إله إلّا اللّه ، إنّي أوّل مؤمن بك يا رسول اللّه ، وأوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللّه تعالى تصديقا بنبوّتك ، وإجلالا لكلمتك ، فقال القوم كلّهم : بل ساحر كذّاب ، عجيب السّحر خفيف فيه ، وهل يصدّقك في أمرك إلّا مثل هذا ؟ ! ( يعنونني ) وإنّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، سيماهم سيما الصّدّيقين ، وكلامهم كلام الأبرار ، عمّار اللّيل ومنار النّهار . متمسّكون بحبل القرآن ، يحيون سنن اللّه وسنن رسوله ؛ لا يستكبرون ولا يعلون ، ولا يغلون ولا يفسدون . قلوبهم في الجنان ، وأجسادهم في العمل « 1 » . وعنه عليه السّلام : كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم صبيحة اللّيلة الّتي أسري به فيها وهو بالحجر يصلّي ، فلمّا قضى صلاته وقضيت صلاتي سمعت رنّة شديدة ، فقلت : يا رسول اللّه ، ما هذه الرّنّة ؟ قال : ألا تعلم ؟ ! هذا رنّة الشّيطان ، علم أنّي أسري بي اللّيلة إلى السّماء ، فأيس من أن يعبد في هذه الأرض « 2 » . قال ابن أبي الحديد في ذيل الحديث : وقد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم ما يشابه هذا ، لمّا بايعه الأنصار السبعون ليلة العقبة ؛ سمع من العقبة صوت عال في جوف الليل : يا أهل مكة ، هذا مذمّم والصّباة معه قد أجمعوا على حربكم ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم للأنصار : ألا تسمعون ما يقول ؟ ! هذا أزبّ العقبة - يعني شيطانها - « 3 » . قال : وأمّا أمر الشجرة التي دعاها رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم فالحديث الوارد فيها كثير مستفيض ، قد ذكره المحدّثون في كتبهم ، وذكره المتكلّمون في معجزات الرسول صلّى اللّه عليه واله وسلّم . والأكثرون رووا الخبر فيها على الوضع الذي جاء في خطبة أمير المؤمنين ، ومنهم من يروي ذلك مختصرا أنّه دعا شجرة فأقبلت تخدّ إليه الأرض « 4 » .
--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 192 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 13 / 209 . ( 3 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 13 / 209 . ( 4 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 13 / 214 .