السيد علي عاشور
127
موسوعة أهل البيت ( ع )
فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة من مسألته عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : ليبلّغ الشاهد الغائب وأبلغوني في حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته ، فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إيّاه ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلّا ذلك ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون زوارا ، ولا يفرقون إلّا عن ذواق ، ويخرجون أدلّة فقهاء . قال : فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه ، ويؤلفهم ولا يفرّقهم - أو قال : ولا ينفّرهم - ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم ، ويحذّر الناس الفتن ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقّد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس فيحسّن الحسن ويقوّيه ويقبّح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة . قال : فسألته عن مجلسه ؟ فقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم لا يجلس ولا يقوم إلّا على ذكر اللّه جلّ اسمه ، ولا يوطن الأماكن وينهي عن إبطانها « 1 » ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، يعطي كلا من جلسائه نصيبه ، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن سأله حاجة لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فكان لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ولا يوهن فيه الحرم ولا تنثى فلتأته « 2 » ، متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعون ، يوقّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون - أو قال : يحوطون الغريب . قال : قلت : كيف كانت سيرته مع جلسائه ؟ قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب « 3 » ولا فحّاش ، ولا عيّاب ولا مدّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ولا يخيّب فيه
--> ( 1 ) يعني لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به . ( 2 ) نثوته نثوا من باب قتل : أظهرته . والفلتات : الهفوات أو الأمر فجأة . ( 3 ) الصخاب من الصخب وهو شدة الصوت .