ميرزا محسن آل عصفور
106
ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظل إمامة المهدي المنتظر ( ع )
الضرورة في القانون الطبيعي . وتوضيح ذلك : ان القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة ، فحين يطرد وقوع ظاهرة عقيب ظاهرة أخرى يستدل بهذا الإطراد على قانون طبيعي ، وهو انه كلما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها ، غير أن العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعي علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها ، وصميم تلك وذاتها لأن الضرورة حالة غيبية ، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الإستقرائي والعلمي إثباتها ، ولهذا فإن منطق العلم الحديث ، يؤكد ان القانون الطبيعي - كما يعرفه العلم - لا يتحدث عن علاقة ضرورية بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين ، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعي لم يكن ذلك فصما لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين . والحقيقة ان المعجزة بمفهومها الديني ، قد أصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببية ، فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض ان كل ظاهرتين اطرد اقتران إحداهما بالأخرى ، فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة ، والضرورة تعني ان من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى ، ولكن هذه العلاقة تحوّلت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطرد بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية . وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الإطراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة . وأما على ضوء الأسس المنطقية للإستقراء فنحن نتفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة في أن الاستقراء ، لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين ولكنا نرى انه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار ، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية ، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معيّنة بظواهر أخرى باستمرار ، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحيانا إلى الاستثناء فتحدث المعجزة .