الشيخ محمد السند
275
دعوى السفارة في الغيبة الكبرى
وقد يستبعد البعض هكذا عصيان من العقل ولا يتصور أن العقل يصل لحقيقة ولا يسلم لها ، ولكن هذا الاستبعاد ناشئ من الغفلة ، فقد ذكر القرآن الكريم ذلك بقوله تعالى : وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ « 1 » فعلموا بأنه الحق والحقيقة ولكنهم لم يسلموا بها ، والأعجب أن في الأزمنة المتأخرة هناك من أنكر الحقائق بعد الاستدلال عليها ، كما عن الرازي في تفسيره لقوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ « 2 » بعدما وصل إلى حتمية ولابدّية وجود شخص شهيد وشاهد على أعمال العباد في كل أمّة وقرن ، ومن الواضح أن ذلك اعتراف بعصمة خليفة رسول الله ( ص ) ولم يكن كذلك إلّا علي ( ع ) فبعد اعترافه بكل ذلك يقول : ( نحن نعترف بأنه لا بدَّ من معصوم في كل زمان إلّا أنّا نقول إن ذلك المعصوم هو مجموع الأمّة وأنتم تقولون ذلك المعصوم واحد منهم ) « 3 » .
--> ( 1 ) النمل : 14 . ( 2 ) النحل : 89 . ( 3 ) قال الرازي في تفسير قوله تعالى : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ : اعلم أن هذا نوع آخر من التهديدات المانعة للمكلفين عن المعاصي . واعلم أن الأمّة عبارة عن الفرد والجماعة . إذا ثبت هذا فنقول : في الآية قولان : الأوّل : أن المراد أن كل نبي شاهد على أمّته . والثاني : أن كل جمع وقرن يحصل في الدنيا فلا بدَّ وأن يحصل فيهم واحد يكون شهيداً عليهم . أما الشهيد على الذين كانوا في عصر رسول الله فهو الرسول بدليل قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ( البقرة : 143 ) . وثبت أيضاً أنه لا بدَّ في كل زمان بعد زمان الرسول من الشهيد فحصل من هذا أن عصراً من الأعصار لا يخلو من شهيد على الناس وذلك الشهيد لا بدَّ وأن يكون غير جائز الخطأ ، وإلّا لافتقر إلى شهيد آخر ويمتد ذلك إلى غير النهاية وذلك باطل ، فثبت أنه لا بدَّ في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم وذلك يقتضي أن يكون إجماع الأمّة حجة . قال أبو بكر الأصم : المراد بذلك الشهيد هو أنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتّى أنها تشهد عليه وهي : الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان . قال : والدليل عليه أنه قال في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شكّ أنها من أنفسهم . أجاب القاضي عنه من وجوه : الأوّل : أنه تعالى قال : شَهِيداً عَلَيْهِمْ أي على الأمّة فيجب أن يكون غيرهم . الثاني : أنه قال : فِي كُلِّ أُمَّةٍ * فوجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمّة وآحاد الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمّة ، وأما حمل هؤلاء الشهداء على الأنبياء فبعيد ، وذلك لأن كوهم أنبياء مبعوثين إلى الخلق أمر معلوم بالضرورة فلا فائدة في حمل هذه الآية عليه . ( تفسير الرازي 98 : 20 و 99 ) .