الشيخ محمد السند
278
دعوى السفارة في الغيبة الكبرى
وهذه المسيرة متواصلة ولا تقف دائماً وأبداً ، وهذا يكشف ويدلل على أن البشر لا يستطيعون ولا يصلون إلى الإحاطة بالحقيقة الواسعة ، وهو اعترافٌ بأن العقل لا يمكن أن يدرك كل شيء ويكذب على نفسه ويخدعها من ادّعى أنه يدرك كل شيء . وهناك من فرط بالعقل وأنكر إدراكه أي ذهب إلى أن العقل لا يدرك شيئاً كالحشويين « 1 » وهناك من الفِرَق الضالة في الغيبة الصغرى فضلًا عن الغيبة الكبرى قديماً وحديثاً إذ شطبوا العقل فأجازوا ارتكاب المحرمات والفواحش واستباحة الدماء وقتل الأنبياء وغير ذلك . فإنّ العقل البديهي يحكم بالعدل وهؤلاء لما شطبوا العقل استباحوا كل تلك المحرمات ، وكيف نتصور إلغاء حجيته فإنّ العقل هو مبدأ الأمور وأن أسس الدين مستندة ومبتنية على بديهيات العقل فلا يمكن أن نتصور شريعة من شرائع السماء تناهض وتناقض وتخالف بديهة العقل ، فإنّه باتفاق كل علماء المسلمين وعلماء الكلام وكل الأديان والملل أن معرفة الله إنما تتم ببديهة العقل . فلا يعقل أن تكون هناك شريعة من شرائع السماء تلغي ضروريات الكتاب أو ضروريات السُنّة وتستحل القبائح أو تنهى عن المحاسن كيف ذلك والله تعالى يقول : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ
--> ( 1 ) الحشوية : مصطلح يراد به كل مذهب يعتمد الآثار والروايات ويقصي العقل إقصاءاً تاماً فلا يقرر عقائده وأصوله على أساس العقل وكان مما ينبز به الحنابلة والمشبهة من قبل المعتزلة لشدة التصاقهم بالأخبار واعتمادهم عليها فهم من كثرة ما يعتمدون الأخبار يقولون : نجري في الصفات ما جاء كما هو ، فيقولون : إن لله يداً على نحو الحقيقة وإن له لهوات وإنه يسير وينزل ويهرول وهكذا .