الشريف المرتضى

16

الانتصار

ومعاشا حتى أنه وقف قرية من قراه تصرف مواردها على قراطيس الفقهاء ( 1 ) والتلاميذ ، وأنه كان يجري الجرايات والمشاهرات الكافية على تلامذته وملازمي درسه ، مثل الشيخ الطوسي ، فقد كان يعطيه اثني عشر دينارا في الشهر ، ويعطي للقاضي عبد العزيز بن البراج ثمانية عشر دينارا وغيرهما ، وذلك بفضل ما يرد عليه من دخل أملاكه الخاصة الذي قدر بأربعة وعشرين ألف دينار بالسنة ( 2 ) ولما يمتلكه من قرى وضياع قيل إنها ثمانون قرية بين بغداد وكربلاء ، يجري خلالها نهر له ، غرست الأشجار الوارفة على حافتيه فتهدلت غصونها بثمارها اليانعة ، فكان ذلك الانعطاف يسهل على أصحاب السفن والسابلة العابرين قطف تلك الأثمار التي أباحها المرتضى لهم ( 3 ) . وبعد هذا فالرواية إن لم تكن موضوعة ومفتعلة من أصلها ، فهي محرفة ، أو مبالغ فيها على أقرب الاحتمالات ، لما رأيت من اختلال أسانيدها ومتونها . وعلى فرض القول بصحتها ، فإن للشريف المرتضى مخرجا منها ومندوحة عنها ، بحملها على محامل التعديل ومخارج التأويل . أفلا يحتمل أن يكون الشريف قد رأى بثاقب رأيه وسديد اجتهاده ، أن ما ألقي عليه من ضريبة لحفر النهر ، إنما هو من المصالح العامة التي يتحتم على الدولة القيام بها ، والإنفاق عليها ؟ ولم يدر الشريف بدفعها عنه سوى دفع مظلمة أو إزالة ضرر ، وكلاهما يجب أن يدفعا ، كبيرين كانا أو صغيرين ، وقد يكون السكوت عنهما يجر إلى مغارم ، والرضا بهما يؤدي إلى مآثم ، والكل محظور في الشريعة ، والراضي بعمل قوم كالداخل معهم فيه . وقد ذكر صاحب روضات الجنات عن السيد نعمة الله الجزائري ما يفيد معنى ما ذكرناه وهذه صورته :

--> ( 1 ) جاء في ص 89 و 110 من كتاب أدب المرتضى لعبد الرزاق محيي الدين " كاغد الفقراء " مصحفة عن " كاغد الفقهاء " ( 2 ) معجم الأدباء لياقوت 13 / 154 . ( 3 ) روضات الجنات ص 383