مهدي منتظر القائم
4
عيسى المسيح في الأحاديث المشتركة بين السنة والشيعة
المتبقية من أتباعه ، ولإيجاد مساحة أخرى يمكن أن توفّر له نوعا من الحماية الضرورية لأفراده ، فكان أن وجّههم صلّى اللّه عليه واله إلى الحبشة ، الدولة المسيحية المجاورة . ومن هنا كان لزاما على الأفراد المهاجرين أن يتوافروا على مقدار من الوعي الفكري والثقافي ، خاصة وهم يقصدون بلدا مختلفا تماما عن طبائعهم وأخلاقهم ، والتعامل مع شعب مسيحي يحكمه ملك يعتقد بالمسيحية ، ويؤمن بمبادئ السيد المسيح عليه السّلام . وقد سجّل هؤلاء المهاجرون بقيادة الصحابي جعفر بن أبي طالب رضى اللّه عنه موقفا شجاعا أمام الملك ، ترك بصماته على وجوه أتباع الملك وعلماء الحبشة من المسيحيين ، بعدما عرّوا وفد قريش المشرك من مسحته القدسية الزائفة التي كان متلبّسا بها ، وردّوا طعونه المسمومة إلى نحره حينما أراد الوفد أن يثير الغبار على الصورة النقية التي يحملها الإسلام والمسلمون تجاه شخص عيسى المسيح عليه السّلام ، وينقل الأقوال المقزّزة التي كان اليهود يثيرونها والتي تنال من منزلة وجلالة هذا السيد وأمّه العذراء ، وراح يلصقها بهؤلاء المهاجرين أمام الملك ، لغرض طمس الحقائق ، واستجابة لأهوائهم المنكرة . وقد أثارت غضب الملك فعلا الذي طلب من المسلمين توضيح الأمر ، وأن يبدوا وجهة نظرهم تجاه هذا المسألة بشفافية . . . والقصة معروفة . ولعلّ هذه الحادثة كانت أكثر تجلّيا للموقف الإسلامي تجاه هذا السيد الجليل وأمّه القديسة ، حيث قاد الأمر إلى أن شهد الملك بأصالة الإسلام ونقائه ، وأنّه والمسيحية يشكّلان رافدين جاريين من منبع واحد . بل تعدّ الحادثة - بكلّ تداعياتها - رصدا للاهتمام الإسلامي بشخصية المسيح وشريعته المقدّسة ، وكشفا لمدى التقدير والاحترام الذين يكنّهما المسلمون لهذا النبي المرسل وأمّه البتول عليهما السّلام ، فأجهضت كلّ محاولات اليهود الرامية إلى زرع الفتنة والاقتتال بين المسيحية والإسلام وهو يخطو خطواته الثابتة في الحياة . والحقيقة الثانية التي يجب الإشارة إليها هنا : أنّ هذا الاهتمام البالغ من الإسلام تجاه عيسى المسيح عليه السّلام لم يكن ناشئا عن مصلحة طارئة ، ووليد ظروف معيّنة ، بل كان يمثّل جانبا من المشروع الإسلامي الكبير تجاه الإنسان والمجتمع والبيئة والحياة ، وحلقة من