السيد صدر الدين الصدر العاملي
181
المهدي ( ع )
خواصّه ، فلمّا أفضى الأمر إلى أبي محمّد كان يكلّم شيعته الخواصّ وغيرهم من وراء الستور إلّا في الأوقات التي يركب فيها إلى دار السلطان ، وإنّ ذلك إنّما كان منه ومن أبيه قبله مقدّمة لغيبة صاحب الزمان لتألف الشيعة ذلك ، ولا تنكر الغيبة ، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار « 1 » . انتهى . نعم ، قد اعتادت الشيعة على تشرّفهم بخدمة إمامهم متى ما أرادوا ولو سرّا من زمان أمير المؤمنين عليه السّلام إلى زمان العسكريّين أبي الحسن وأبي محمّد عليهما السّلام ، ولو حرموا من هذه النعمة دفعة واحدة كان في مظانّ ورود الشكّ والشبهة لهم ، بل ربّما تزلزلت عقائد بعضهم ، فأراد الإمامان بالخطّة التي اتخذها التي أشار إليها المسعودي أن يعتاد الشيعة قليلا قليلا ويألفوا غيبة الإمام . اتّخذ كلّ من أبي الحسن وأبي محمّد عليهما السّلام هذه الخطّة لهذه الغاية الشريفة ، وأيّد ذلك شدّة المراقبة عليهم من الملوك والخلفاء المعاصرين لهم ، وذلك يوجب بالطبع قلّة ملاقاتهم وزيارتهم خوفا سيّما من شيعتهم المعروفين . وأيّد ذلك أيضا شوكة الإمامين وجلالتهما الظاهريّة ، وكثرة الخدم والغلمان وما كانا فيه من الأبّهة والعظمة الموجبة قهرا لقلّة زيارة عامّة الشيعة لهما ، بل والخواصّ إلّا في أوقات خاصّة وأزمنة معيّنة . إنّ سياسة العبّاسيّين مع الأئمّة الاثني عشر تغيّرت أخيرا عمّا قبل ، وصارت سياستهم في تعظيمهم وتجليلهم ، وهذه الخطّة قد سنّها المأمون . الناظر في تواريخ أبي الحسن الرضا وأبي جعفر الجواد وأبي الحسن الهادي وأبي محمّد العسكري عليهم السّلام يرى خطّة الخلفاء معهم ، وأنّهم يعدّون لهم أنواع الأبّهة والعظمة من حيث المسكن والدار والأثاث والرياش والجواري والغلمان وأنواع المراكب وزينتها ، لأغراض كانت الخلفاء تقصدها من هذه الخطّة ، أهمّها كون هؤلاء الأئمّة بين أظهرهم وفي جوارهم ، فتكون المراقبة عليهم أشدّ سيّما في زمان أبي الحسن وأبي محمد .
--> ( 1 ) . إثبات الوصيّة ، ص 262 ، طبعة مكتبة الحيدري .