السيد صدر الدين الصدر العاملي
160
المهدي ( ع )
وكذلك القوّاد والوزراء والكتّاب وعوام الناس ، وإنّي كنت قائما ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس ، إذ دخل عليه حجّابه فقالوا له : ابن الرضا على الباب ، فقال - بصوت عال - : ائذنوا له ، فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة جميل الوجه جيّد البدن حدث السن له جلالة وهيبة ، فلمّا نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطوات ، ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقوّاد ولا بأولياء العهد ، فلمّا دنا منه عانقه وقبّل وجهه ومنكبيه ، وأخذ بيده وأجلسه على مصلّاه الذي كان عليه ، وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه ، وجعل يكلّمه ويكنيّه ويفديه بنفسه وأنا متعجّب ممّا أرى منه ، إذ دخل عليه الحجّاب فقالوا : الموفّق قد جاء ، وكان الموفّق إذا جاء ودخل على أبي تقدّم حجّابه وخاصّة قوّاده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج ، فلم يزل أبي مقبلا عليه يحدّثه حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة فقال : ( ح ) إذا شئت فقم جعلني اللّه فداك يا أبا محمّد ، ثم قال لغلمانه : خذوا به خلف السماطين لئلا يراه الأمير يعني الموفّق ، فقام وقام أبي فعانقه وقبّل وجهه ومضى . فقلت لحجّاب أبي وغلمانه : ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الّذي فعل ؟ فقالوا هذا رجل من العلويّة يقال له : الحسن بن عليّ يعرف بابن الرضا ، فازددت تعجّبا ، فلم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره وأمر أبي وما رأيت منه حتّى كان الليل ، وكانت عادته أن يصلّي العتمة ثمّ يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات ، وما يرفعه إلى السلطان ، فلمّا صلّى وجلس جئت فجلست بين يديه فقال : يا أحمد ، ألك حاجة ؟ قلت : نعم ، يا أباه إن أذنت سألتك عنها ، فقال : قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت ، فقلت : يا أباه ، من الرجل الذي أتاك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال : يا بنيّ ، ذلك ابن الرضا ، ذاك إمام الرافضة ، فسكت ساعة فقال : يا بنيّ ، لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا ، فإنّ هذا يستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ، ولو رأيت أباه لرأيت رجلا جليلا نبيلا خيّرا فاضلا ، فازددت قلقا وتفكّرا وغيظا على أبي ممّا سمعت منه فيه ، ولم يكن لي همّة بعد ذلك إلّا السؤال عن خبره والبحث عن أمره ، فما سألت عنه أحدا