محمد بن طلحة الشافعي
6
الدر المنتظم في السر الأعظم
وما ينتج منها ، وفاعله المتصرف ، وغايته التصرف على وجه يحصل به المطلوب ايقاعا وانتزاعا ، ومرتبته بعد الروحانيات والفلك والنجامة . وقال ابن خلدون في المقدّمة : علم أسرار الحروف وهو المسمّى بهذا العهد بالسيميا نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة ، فاستعمل استعمال العام في الخاص ، وحدث هذا العلم بعد الصدر الأول عند ظهور الغلاة منهم ، وجنوحهم إلى كشف حجاب الحسّ وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر ، وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب ، وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء فهي سارية في الأكوان ، وهو من تفاريع علوم السيميا لا يتوقف على موضوعه ولا يحاط بالعدد مسائله وتعددت في تآليف البوني وابن عربي وغيرهما ، وحاصله عندهم ، وثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان . ثم اختلفوا في سرّ التصرف الذي في الحروف بم هو ، فمنهم من جعله للمزاج الذي فيه ، وقسّم الحروف بقسمة الطبائع إلى أربعة أصناف كما للعناصر . فتنوعت بقانون صناعي يسمّونه التكسير ، ومنهم من جعل هذا السرّ للنسبة العددية ، فإن حروف أبجد دالة على أعدادها المتعارفة وضعا وطبعا ، وللأسماء أوفاق كما للأعداد ، يختصّ كل صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الذي يناسبه من حيث عدد الشكل أو عدد الحروف وامتزاج التصرف من السرّ الحرفي والسرّ العددي لأجل التناسب الذي بينهما ، فأما سرّ هذا التناسب الذي بين الحروف وأمزجة الطبائع أو بين الحروف والأعداد ، فأمر عسير على الفهم إذ ليس من قبيل العلوم والقياسات ، وانما مستندة عندهم على الذوق والكشف .