محمد بن طلحة الشافعي
34
الدر المنتظم في السر الأعظم
ومنهم من يضعه بطريق التركيب الحرفي ، وهو مذهب أفلاطون . ومنهم من نصّفه بطريق التركيب العددي ، وكل واحد من هؤلاء موصل إلى الغرض المطلوب ، واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . واعلم أنّ كلّ علم له بيان ، وكلّ بيان له لسان ، وكلّ لسان له عبارة ، وكلّ عبارة لها طريقة ، وكلّ طريقة لها أهل ، ومن أغرب الأشياء علوم الأولياء ، ولا يشبهه علم من سواهم ، فإذا ظفرت بها فخذها واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين . قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : « منّا الجفر الأبيض ، ومنّا الجفر الأحمر ، ومنّا الجفر الجامع » « 1 » . وكانت الأئمّة الراسخون من أولاده يعرفون أسرار هذا الشأن العظيم ، ولمّا كتب بعض الخلفاء إلى علي بن موسى الرضا على أن يبايعه فقال : « إنّك عرفت من حقوقنا ما لم يعرف آباؤك فبايعتك ، إلّا أن ( الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم ) » « 2 » . وقد ستر اللّه علمه عن أكثر العلماء ، لما فيه من نتائج السلوك ودوام مدد الأعمار للملوك ، ولما فيه من الأحكام الإلهية والمصالح الربّانية ، ولم يأذن للأكابر أن يعرفوا منه إلّا بعض أسراره التي يشتمل عليه تركيبها الخاصّ المنتج أنواع التسخيرات والتأثيرات من التصرّف
--> ( 1 ) عنه في ينابيع المودة : 3 / 204 . وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب : وفيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة . وقال ابن خلدون : ووقع لجعفر وأمثاله من أهل البيت كثير من ذلك مسندهم فيه . تاريخ ابن خلدون : 1 / 331 . وأشار إلى ذلك أبو العلاء المعري في اللزوميات : 2 / 249 بقوله : لقد عجبوا لأهل البيت لمّا * أتاهم علمهم في مسك جعفر ومرآة المنجم وهي صغرى * أرته كل عامرة وقفر . ( 2 ) الفخري لابن الطقطقي : 178 ، كشف الظنون : 1 / 591 ، وما بين القوسين أثبتناه من المصادر .