محمد بن طلحة الشافعي

207

الدر المنتظم في السر الأعظم

سرّ معرفة الغيب من الحروف ومن عري عن الكشف والشهود ، فحرام عليه التفكّر في هذه الحوادث الكونية والأسرار الغيبية بطريق الرسم والحدود ، فلا يظهر لسان الاعتراض ولا يبرز رعونات الأعراض ، فإنّي أخاف عليه سلب السابقة في علم الأرواح ، والخاتمة في علم الأشباح ، وليرجع إلى نقص فطرته وقصور باعه في ميدان حكمته ، فلا يشهد حقيقة الكمال ، ولا يلتزمنّ أبكار المعاني بالوصال ، وليقل بلسان التسليم : وفوق كلّ ذي علم عليم . وقد تمّت الكلمات الجعفرية الناطقة بالأسرار الخفية ، في يوم تقوم فيه القيامة ، وتنوح الحمامة ، على سعة الكريم ، ومغفرة الرحيم . قال بعض العلماء : لا يحلّ الكلام في الغيب ، لأنّه من أسرار واللّه ، اختار له أبا البشر عليه السّلام . وقال العلماء باللّه : بل ينظر ذلك في أسرار الحروف ، كما كان آدم عليه السّلام ، والرّسل ينظرون بها في أسرار الغيوب ، إذ الحكمة لم تزل . وقد أوتيت لجماعة من أرباب القلوب لا يحصى عددهم إلّا علّام الغيوب ، كما قال تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 1 » . وقد بيّن اللّه في كتابه ما جرى للأوّلين وما يجري للآخرين ، إذ ما

--> ( 1 ) سورة البقرة : 269 .