محمد بن طلحة الشافعي
131
الدر المنتظم في السر الأعظم
وكذلك تكرّرت العين مرّتين : أحدهما في كهيعص ، والثانية في حمعسق ، لأنّ العلم علمان : علم الغيب وعلم الشهادة ، فعلم الغيب هو السابق وعلم الشهادة هو العلم الأسفل المحيط بالمكنونات التامّة ، الموجودات التي ظهرت وخرجت من الإمكان وبرزت للعيان ، وكذلك قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ « 1 » . والنون : هو النون الأعظم ، وهو الغيب الذي يستمدّ منه القلم علم الأشياء . وقيل : هو ملك أعطاه اللّه علمه في خلقه ، وهو ثلاث مائة وستّون علما ، ودليل آية الغيب قوله تعالى : أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 41 ) « 2 » أي يستمدّون منه ما يشاؤون ، كما فعل القلم . اعلم أنّ الحروف كلّها هي الهباء ، ومنها تآلف الأمر وظهر الملك ، وأنّ اللّه تعالى جعلها ثمانية وعشرون حرفا ، أربعة عشر منها ظاهرة وأربعة عشر منها باطنة ، فالأربعة عشر الباطنة ، هي التي ذكرها اللّه تعالى في القرآن في أوائل السور ، وهي التي أعطاها اللّه تعالى لسيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سرّها وأطلعه على غيبها ، لأنّها جوامع علمه وتدبّره ومنبئة عن إرادته ، ودالّة على حكمه ، وإذا قرنت بعض هذه الدلائل إلى بعض وأمعنت النظر من جهة الاعتبار ، استدللت من ذلك على مدّة الدّنيا . واعلم أنّ كتاب المخلوق دالّ على ما في قوله دالّ على ما في غيبه وسرّه ، كذلك جسم العالم بجميع أجزائه للباري تعالى كالكتاب ، وهو دالّ على قوله وكلامه دالّ على ما في غيبه سبحانه ، فإذا فهم المتأمّل هذه الأسرار المكنونة ، نطق بالغرائب وأخبر بالعجائب ، وعدّ من العلماء الأجلّاء والسادة الفضلاء ، والحمد لله وحده .
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 73 ، وغيرها . ( 2 ) سورة القلم : 47 .