الشيخ السبحاني
51
الوسيط في أصول الفقه
بإزائها بل بإزاء مصاديقها الخارجية التي هي معان حرفية . فلفظة » مِن « موضوعة لمصداق الابتداء لا لمفهوم الابتداء الكلّي وإلّا ينقلب المعنى الحرفي اسمياً ، فالمحكيّ بلفظة » من « في قولك : » سرت من الكوفة إلى البصرة « ليس هو مفهوم الابتداء بل مصداقه الخارجي الذي لا يتحقّق إلّا بطرفيها ، أعني : » السير « و » الكوفة « . « 1 » نعم هناك حروف ربما لا تنطبق عليها ما ذكرنا من الضابطة ، وهذا نحو » واو « الاستئناف و » تاء « التأنيث في » ضربتْ « و » قد « في الفعل الماضي ، فالأولى عدّها علامات لا حروفاً . هذا كلّه حول الأمر الأوّل . وأمّا الثاني ، أعني كيفية وضعها ، فقد ظهر ممّا ذكرنا انّ وضع الحروف من قبيل الوضع العام والموضوع له الخاص ، فانّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي ، فوضع اللّفظ بإزاء مصاديقه التي هي معان حرفية . فإن قلت : إذا كان الملحوظ معنى اسمياً فلا بدّ أن يكون مصداقه أيضاً كذلك ، فحينئذ كيف يصحّ أن يقال » انّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي ووضع اللفظ بإزاء مصاديقه التي هي معان حرفية مع انّ مصداق كلّ شيء بحسبه . قلت : انّ المعاني الاسمية على قسمين : 1 . ما يتمتع بالاستقلال تصوراً ومصداقاً ، لحاظاً وتطبيقاً وذلك كأسماء الأجناس مثل الإنسان فله مفهوم مستقل كما انّ له مصداقاً كذلك عند التطبيق على الخارج .
--> ( 1 ) . وما ذكرناه هو المعروف بين الأُدباء في معاني الحروف ، وهناك نظريات أُخرى كنظرية المحقّق الرضي في شرح الكافية : 10 ، ط مصر ، التي اختارها المحقّق الخراساني ، ونظرية المحقّق صاحب الحاشية ، ونظرية المحقّق النائيني وتلميذه المحقّق الخوئي وقد بسطنا الكلام في نقد هذه النظريات في محاضراتنا المدونة باسم » المحصول « : 62 / 681 .