الشيخ السبحاني
124
الوسيط في أصول الفقه
أقول : أمّا الأوّل فالظاهر عدم ثبوته بل ثبوت خلافه ، وذلك لأنّ من عرف ربّه وعظمته ، وعرف فقر نفسه ، وأنّ ما يملكه من حول وقوة ، وجارحة وجانحة ، وما يصرفه في طريق الطاعة ، كلّه مفاض منه تعالى إليه ، وليس ملكاً للعبد ، بل ملك له سبحانه ، صدّق القول بعدم الاستحقاق ، لأنّ القائل بالاستحقاق ذهب إلى أنّه يجب عليه سبحانه القيام به ، وعَدّ تركه ظلماً منه للعباد ، وهو لا يجتمع مع القول بأنّ المالك هو اللّه سبحانه على الإطلاق ، لا غير ، وأنّ جميع شؤون العبد وحوله وقوّته وإرادته وفعله ملك للّه تعالى ، فما أتى به العبد ليس سوى ما أعطاه إيّاه تعالى . وإن شئت قلت : إنّ مثَل المخلوق إلى خالقه ، مثَل المعنى الحرفي إلى الاسمي فلا يملك المعنى الحرفي لنفسه شيئاً سوى كونه موجوداً غير مستقل في ذاته وفعله ، وعند ذلك كيف يستحقّ شيئاً في ذمة المولى ، بحيث لو لم يؤدّه يكون ظالماً في حقّه ؟ ! وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) . « 1 » وأمّا التّعبير في بعض الآيات » بالأجر « الظاهر في الاستحقاق كقوله سبحانه : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) . « 2 » وقوله سبحانه : ( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) « 3 » إلى غير ذلك من الآيات ، فإنّما هو من باب المشاكلة نظير التعبير بالاستقراض في قوله سبحانه : ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) . « 4 »
--> ( 1 ) . فاطر : 15 . ( 2 ) . فاطر : 7 . ( 3 ) . هود : 115 . ( 4 ) . الحديد : 11 .