الشيخ السبحاني

109

الوسيط في أصول الفقه

في موردها ، وإجزائه في مقام الامتثال مطلقاً ، وافقت الواقع أم خالفت ، مثلًا إذا قال الإمام : » العمري ثقتي ، فما أدّى إليك عنّي فعني يؤدّي ، وما قال لك عني ، فعني يقول ، فاسمع له وأطع ، فانّه الثقة المأمون « . « 1 » وهو يعلم انّ العمري إنسان غير معصوم ربما يخطأ ومع ذلك يأمر بالعمل بقوله على وجه الإطلاق . فيكون معنى هذا انّ المولى قد رضي في امتثال أوامره ونواهيه ، وتحصيل أغراضه ومقاصده ، على حدّما ، أدّت إليه الأمارة ، التي تكون مطابقة للواقع بدرجة كبيرة ، فكون الأمارة محصِّلة للمقاصد بهذا المقدار صحَّحَ الأمر بالعمل بقوله مطلقاً وبالتالي أوجب رفع اليد عن أغراضه فيما إذا أخطأ ، كلّ ذلك لمصلحة عالية وهو تسهيل الأمر على المكلّفين . وما استظهرنا من الملازمة بين الأمر بالعمل بقول الثقة ، والإجزاء مطلقاً سواء أوافق الأمر أم لا ، هو المتفاهم في العرف في هذه الموارد . مثلًا : لو أمر المولى عبده بأن يهيِّئ له دواء ليتداوى به وأمره بأن يسأل صيدليّاً معيّناً عن نوعيّة أجزائه وكمّية وكيفية تركيبه ، فاتبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب ، ثمّ ظهر أنّ الصّيدليّ قد أخطأ في مورد أو موردين ، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلًا لأمر مولاه ، ويرون عمله مسقطاً للتكليف ، من دون ايجابه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء ، اللّهمّ إلّا أن يأمره المولى مجدّداً . وهذه الارتكازات تدلّ على الملازمة بين الأمر بالرجوع إلى الثقات والخبراء ، والاكتفاء في امتثال الأمر بما أتاه بإرشادهم وهدايتهم ، وهذا يعطي أنّ الشارع اكتفى في دائرة المولوية والعبودية فيما يرجع إلى مقاصده ، بما يؤديه إخبار الثقة ، ولو بان الخلاف ، فهو يرفع اليد عن مقاصده ، تسهيلًا للأمر على العباد . فإن قلت : فأي فرق بين هذا القول وبين القول بالتصويب ، فانّ رفع اليد

--> ( 1 ) . الوسائل : 18 ، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 4 .