العلامة الحلي

412

نهاية الوصول الى علم الأصول

جهة كتبهم المبدّلة ونقل أربابها . ثمّ اختلفوا فقال قوم : إنّه كان متعبدا بشرع إبراهيم ، وقيل : بشرع موسى وقيل شرع عيسى عليهم السّلام . « 1 » والأصل في ذلك أنّ القائل بأنّه كان متعبّدا بشرع من قبله ، إن أراد أنّه تعالى كان يوحي إليه بمثل الأحكام الّتي أمر بها من قبله في كلّ الشرع ؛ فهو معلوم البطلان بالضرورة ، لأنّ شرعنا خالف شرع من تقدّمنا في كثير من الأحكام أو في بعضه ، وهو مسلم إجماعا ، لكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنّه متعبّد بشرع غيره ، لأنّ فيه إيهام التبعية لغيره ، وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن متّبعا لغيره ، بل كان أصلا في شرعه . وإن أراد أنّه تعالى أمره بأخذ الأحكام من كتبهم والرجوع إلى أحكام من تقدّمه ممّا لم ينسخ فهو المتنازع . والحق خلافه لوجوه : « 2 » الأوّل : لو كان متعبّدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث النازلة إلى شرع المتبوع ، ولم يتوقّف فيما لم يسبق إليه الوحي فيه على نزوله عليه ، لكنّه لم يرجع في ذلك إلّا إلى ما يوحى إليه ، وإلّا لاشتهر ؛ ولأنّ عمر طالع ورقة من التوراة فغضب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال : « ألم آت بها بيضاء نقية ، لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلّا اتّباعي » « 3 » وهذا يدلّ على أنّه لم يكن متعبّدا بشرع أحد .

--> ( 1 ) . راجع الإحكام : 4 / 147 ؛ المحصول : 1 / 519 . ( 2 ) . ذكرها الرازي في المحصول : 1 / 520 - 523 . ( 3 ) . تفسير الرازي : 8 / 123 ؛ المغني : 6 / 192 . وورد هذا الحديث بتفاوت في المصادر التالية : دعوات الراوندي : 170 ح 475 ؛ عوالي اللآلي : 4 / 121 ح 199 ؛ تفسير القرطبي : 13 / 355 ؛ تفسير البيضاوي : 1 / 311 .