العلامة الحلي
368
نهاية الوصول الى علم الأصول
فيه ، بل هؤلاء المحدّثون أتباع كلّ ناعق ، وعبيد كلّ من غلب ، يروون لأهل كلّ دولة في ملكهم ، فإن انقضت دولتهم تركوهم . ولأنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما كانت الصحابة تكتب كلامه من أوّله إلى آخره لفظا لفظا ، وإنّما كانوا يسمعونه ثمّ يخرجون من عنده ، وربّما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة . ومن المعلوم أنّ العلماء الذين تعوّدوا تلقّف الكلام لو سمعوا كلاما قليلا مرة واحدة فأرادوا إعادته في تلك الساعة بعين تلك الألفاظ من غير تقديم ولا تأخير ، لعجزوا عنه فكيف بالكلام الطويل بعد المدة الطويلة من غير تكرار ولا كتابة . ومن أنصف علم أنّ الألفاظ المروية ليست ألفاظه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ثم بعد المدة الطويلة لا يمكن إعادة المعنى بتمامه ، فإنّ الإنسان مظنّة النسيان ، بل إنّما يعيد بعضه خصوصا ، وقد جرّبناهم فرأيناهم يروون المعنى الواحد بألفاظ كثيرة مختلفة مع زيادات ونقصانات . وهذه المطاعن كلّها روايات آحاد « 1 » لا تعارض الآيات والأحاديث المشهورة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من الثناء على أصحابه ، وهذه المطاعن مروية
--> ( 1 ) . ما اعتذر به العلّامة عن هذه المطاعن منقول عن المحصول للرازي : 2 / 169 ، وليست نظريته خاصّة ، ومن المعلوم أنّ كلّ واحد من هذه المطاعن بصورة الآحاد ولكن المجموع من حيث المجموع متواتر بالمعنى ، وأنّ صحابة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكونوا على مستوى واحد في الفضائل والمناقب ، فقد كان بعضهم بمكانة يستدر بهم الغمام ، وأمّا غيرهم فقد كانوا على صنوف أوضحنا حالهم في الجزء الأوّل من كتاب « بحوث في الملل والنحل » الفصل السادس تحت عنوان الصحابة بين العدالة والبرهان ، فراجع .