الفيض الكاشاني
60
نقد الأصول الفقهية
في الندب « 1 » ، وكذا صيغة النهى استعملت تارة في التحريم وتارة في الكراهة « 2 » . فإن كانتا موضوعتين لكلّ منها لزم الاشتراك أو لأحدهما فقط لزم المجاز ، فيكونان حقيقتين في القدر المشترك فيهما وهو طلب الفعل في الامر وطلب الترك في النهى دفعا للاشتراك والمجاز . والجواب : إنّ هذا تعيين لأحد مدلولات اللفظ بالترجيح ، والتحقيق إنّه غير جائز كما مرّ . سلّمنا لكن المجاز وإن كان مخالفا للأصل ، لكن يجب المصير اليه إذا دلّ الدليل عليه . وقد بيّنا بالادلّة السابقة أنّهما حقيقتان في الوجوب والتحريم بخصوصهما ، فلا بدّ من كونهما مجازا فيما عداهما وإلّا لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح بالنسبة المجاز إذا تعارضا . وبهذا الجواب بطل كثير من المذاهب في هذا الباب . تنبيه : ورود كلّ من الصيغتين عقيب الأخرى قرينة على إرادة الإباحة غالبا سيّما وفي الأمر . تذنيب : كلّما ورد الصيغتان بلا قرينة فعلى المختار يجب حملهما على الوجوب والتحريم ، وعلى القول الثاني على الندب والكراهة ، وعلى الثالث والرابع يكونان مجملتين فيجب التوقف حتى يظهر المراد . وقيل : بل حينئذ يحمل على الندب ، لأنّ اقتضاء كون الفعل راجحا أمر متيقّن وما زاد عليه مشكوك فيه ، فيتمسّك في نفيه بالأصل لكونه زيادة في التكليف . وينبغي أن يعلم أنّ المستفاد من تضاعيف أحاديثنا المرويّة عن الأئمة - عليهم السّلام - انّ استعمال صيغة الامر في الندب والنهى في الكراهة كان شايعا في عرفهم بحيث صارا من المجازات الراجحة المساوى احتمالها من اللفظ لاحتمال الحقيقة عند انتقاء المرجّح الخارجي . فعلى هذا يشكل التعلّق في اثبات وجوب أمر أو تحريمه بمجرّد ورود الامر به أو النهى عنهم عليهم السّلام . أصل : اختلفوا في دلالة صيغة الامر بمجرّدها على الوحدة والتكرار والفور والتراخي على أقوال . فقيل : بإفادتها التكرار ويلزمه القول بالفور . وقيل : بإفادتها الوحدة فاختلفوا ، فقيل بإفادتها الفور ، وقيل باشتراكهما بين الفور والتراخي . وقيل : بعدم دلالتها على شيء من ذلك . وقيل : بالوقف . والحق : إنّها لا تدلّ على شيء من ذلك بحسب اللغة ، وأمّا بحسب العقل فظاهر في الوحدة بمعنى تحقّق الامتثال بها . لنا على عدم دلالته على شيء بحسب اللغة : إنّ المتبادر من الامر طلب ايجاد الفعل ، والمرّة
--> ( 1 ) - في الوجوب كقوله تعالى : « أَقِيمُوا الصَّلاةَ » وفي الندب كقوله تعالى « فَكاتِبُوهُمْ » . ( 2 ) - في التحريم نحو « لا تزن » وفي الكراهة نحو « لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا » .