الفيض الكاشاني
54
نقد الأصول الفقهية
والصيام لإمساك مخصوص والحج لقصد مخصوص ، ونقطع أيضا بسبق هذه المعاني منها إلى الفهم عند إطلاقها وذلك علامة الحقيقة ، وهذا لا يحصل إلّا بتصرّف الشارع ونقله لها إليها وهو معنى الحقيقة الشرعية . والجواب : إنّ دعوى كونها أسماء لمعانيها الشرعية لسبقها منها إلى الفهم إنّما نسلّم في عرف المتشرعة لا في عرف الشارع الّذى فيه الكلام . فقوله : وهذا لا يحصل إلّا بتصرف الشارع ، غير صحيح . وممّا يؤيّد المجازية في كلام الشارع ثبوت العلاقة بين تلك المعاني والمعاني اللغويّة كما يظهر من التتبّع . أصل : إذا لم يعلم معنى الحقيقي للفظ أو كان محتملا لمعان متعدّدة غير معناه الحقيقي كأن يكون محتملا للمجاز والنقل والاضمار والتخصيص وغير ذلك كلّا أو بعضا ولم يكن حمله على معناه الحقيقي ولم يكن هناك دليل على تعيين غيرها ، فالطريق في استعلام المراد منه أن تتبّع مظانّ استعمالاته ويتفحّص عنها حتى يعلم أنّه في أىّ معنى يستعمل بدون القرينة ، أو استعماله في أىّ منها أكثر وأشهر وفهم ذلك منه أظهر فنحمل عليه ؛ وإلّا يبقى على الاجمال حتى يظهر المراد . ولا يجوز التعيين بالترجيح كأن يقال : التخصيص أهون من النقل ، لقلّة مخالفة الأصل معه فيحمل عليه ، وانّ الاشتراك والمجاز على خلاف الأصل فيكون للقدر المشترك ، لأنّ المدار على غلبة الظن وإنّما هي تحصل بما قلناه دون أمثال هذه الترجيحات . والسّر فيه : إنّ مخالفة الأصل إنّما لا يصار إليها لاحتياجها إلى القرينة ، هذا المعنى موجود في قليل المخالفة كما هو موجود في اللفظي والمجاز . فلا يغلب على الظن أحدها بدون القرينة إلّا بوجود ما يخرجه من ذلك الاحتياج ، وهو إمّا ثبوت الوضع أو ظهور الفهم أو كثرة الاستعمال أو شهرته أو ما يجرى مجراها . مثلا لفظ الحج قيل : إنّه في عرف الشرع اسم للمناسك المخصوصة ، وقيل : بل هو اسم للقصد إلى أدائها . ولو عملنا بالترجيح المذكور لزمنا القول بالثاني ، لأنّه في اللغة موضوع للقصد والتخصيص أولى من النقل ؛ لكنّا إذا تتبّعنا الآيات والأخبار وجدناه في الاوّل أكثر استعمالا وأشهر وأظهر منه في الثاني ، فيجب الحمل عليه إذا وجد بدون القرينة . وكذلك صيغة ، إلّا قيل : إنّه حقيقة في الوجوب ، وقيل : بل في الندب ، وقيل : بل في القدر المشترك ، والترجيح للثالث لثبوت الاستعمال في المعنيين والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل . لكن التتبّع يدلّ على الاوّل - كما ستطّلع عليه إن شاء اللّه تعالى - فيجب الحمل عليه إذا وجدت مجرّدة عن القرينة . وبهذا التحقيق سقط عنّا البحث في كثير من المباحث التي خاض فيها الأصوليون في باب تعارض الأحوال وغيره كما لا يخفى . أصل : هل يجوز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد إذا كان الجمع بين ما يستعمل فيه من المعاني ممكنا مطلقا أو في التثنية والجمع دون المفرد أو في النفي دون الاثبات ؟ وعلى