الفيض الكاشاني

37

نقد الأصول الفقهية

مرسلا فانّه يحتمل أن يكون بين فلان وفلان رواة لم يذكر فلا يقبل إلّا أن يستفصل . والجواب : إنّه يجوز أن يعتمد على علم السامع بعدم مشافهته للمروى عنه وانّ الواسطة بينهما موجودة فلا يلزم أن يظنّ عدالة الواسطة . وانتفاء علّة التثبت موقوف على ثبوت العدالة كما مرّ تحقيقه . وقول الراوي عن فلان يقتضى بظاهره الرواية عنه بغير واسطة ، ولهذا لا يجوز الارسال مع احتمال اللقاء ويجوز مع عدمه . واحتجّ الشيخ - رحمه اللّه - على القول الثالث بأنّ الطائفة عملت بالمراسيل عند سلامتها عن المعارض كما عملت بالمسانيد . فمن أجاز أحدهما أجاز الآخر . والجواب : إنّ التمسّك بعمل الطائفة موقوف عندنا على بلوغه حدّ الاجماع ولا نعلمه . تنبيه - وليعلم أنّ من الرواة جماعة أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عنهم ، وأقرّوا لهم بالفقه على ما نقله علماء الرجال كمحمّد بن أبي عمير وأبان بن عثمان وعبد اللّه بن المغيرة وحمّاد بن عيسى وغيرهم . وقد فهم جماعة من المتأخّرين من هذه العبارة انّ كل حديث كان في طريقه أحد من هؤلاء الثقات وكان السند اليه صحيحا فهو صحيح ، ويجوز نسبته إلى أهل البيت - عليهم السّلام - بمجرّد ذلك من غير اعتبار العدالة فيمن يروى هو عنه ، حتى لو روى عن معروف بالفسق أو بالوضع فضلا عما لو أرسل الحديث كان ما نقله صحيحا منسوبا إلى أهل العصمة - صلوات اللّه عليهم - . وأقول : إنّ الظاهر انّ المراد بهذه العبارة انّها كناية عن الاجماع على عدالة ذلك الراوي بخلاف غيره ممن لم ينقل الاجماع على عدالته ، وهذا غير موجب لتصحيح الحديث مع الارسال وتوسط الغير الثقة الواقعين بعده . فانّ ما يصحّ عنه في هاتين الصورتين إنّما هو قوله « سمعت فلانا أو رويت عنه » وما في معناهما مما يستفاد من لفظه عن فلان مذكورا كان باسمه أو مبهما أو متروكا . وهذا لا يقتضى علمه بصدور الحديث عن الامام - عليه السّلام - ولو كان ذلك معلوما له بإحدى الطرق المفيدة للعلم كالتواتر ونحوه لما أرسله ولا نقله عن الفاسق ، بل كان عليه أن يبيّن مأخذ علمه وطريق سماعه . كما لا يخفى على من تتّبع كتب الحديث والرجال ، وعرف أحوال الثقات وشدّة اعتنائهم ببيان كيفية سماعهم الحديث وغير ذلك مما يتعلّق به . فلما لم يبيّن ذلك بل أرسل الحديث ونقله عن الواسطة علمنا انّ علمه به مقصور على هذا الطريق ، وليس له اطلاع على أزيد من ذلك . ثمّ لو تنزّلنا عن هذا وقلنا بعدم ظهور تلك العبارة في المعنى الذي استفدناه فلا أقلّ من احتمالها إيّاه وانّه المتيقّن منها . فكيف يجوز التزام ما التزموه بمجرّد هذه العبارة وتخصيص الامر بالتثبت عند خبر الفاسق به سيّما مع كثرة وقوع الغلط في نقل مثل هذا الاجماع ، كما ستحقّقه فيما بعد ان شاء اللّه .